مجتمع

الرئيسية مجتمع 
محمد الصغير جنجار

باحث في العلوم الاجتماعية. من آخر إصداراته : "مكانة الكتاب في مجتمعات الانتقال من الثقافة الشفاهية نحو المكتوبة" (2016)، "الدين والحداثة في سياق العولمة وتعدد مسارات العلمنة" (2017).

بعض مظاهر بؤس المكتبات الجامعية المغربية

 
 
إذا كان غنى ودينامية المكتبة الجامعية يُعدان اليوم على المستوى الدولي من مؤشرات قياس القوة والإشعاع العلمي للمؤسسة الجامعية، فإن الفقر والتهميش يميزان الوحدات المكتبية الجامعية بالمغرب. في هذا المقال يحلل محمد الصغير جنجار، جذور وأسباب هذه الوضعية في علاقة بالنشأة التاريخية للمؤسسة الجامعية المغربية، وملابسات تطورها في النصف الثاني من القرن العشرين.

الجامعة والإصلاح

ننطلق هنا من فرضية مفادها أن وضعية الجامعة –أية جامعة– أصولها ومسارها، تفسر إلى حد بعيد ضعف أو قوة المكتبة الجامعية. وفي هذا المجال يتم التمييز عادة بين نموذجين من الجامعات: النموذج اللاتيني، والنموذج الأنجلوسكسوني. وهذا التمييز له فعلا، في حاضر المؤسسات الجامعية عبر العالم، ما يبرره، لكنه، كما يؤكد عبد الله العروي، يستند إلى تمايز أعمق ثقافيا وأقدم تاريخيا، ألا وهو الاختلاف القائم بين نموذج جامعي تطور ببطء منذ العصور الوسطى ومن دون قطيعات كبرى ليتبلور حديثا في النموذج الجامعي الأنجلوسكسوني، ونموذج آخر ولد من رحم إرادة القطيعة التي شكلتها الثورة الفرنسية، والذي انبنى على عملية هدم للنموذج القديم الموروث عن الفترة الوسيطية، وهو ما يطلق عليه العروي النموذج "النابوليوني"[1]. فإذا استثنينا تركيا وإسرائيل، نجد أن النموذج المذكور (النابليوني) فرض نفسه في أغلب دول المنطقة الأورومتوسطية (شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء) سواء تحت تأثير الحركات الإصلاحية النهضوية أو بفعل الاستعمار.

ولعل الأثر العميق لهذا السياق التاريخي الذي ساهم في إبراز الجامعة الحديثة في المنطقة المغاربية، والذي يفسر إلى حد بعيد مفارقاتها ومعضلاتها الحاضرة، بما في ذلك أوضاع مكتباتها، يكمن في ما أشار إليه العروي من فصل للشكل عن المحتوى. فإذا كان النموذج الماقبل نابليوني والموروث عن العصور الوسطى، والذي ساد في الغرب وأيضا في المشرق العربي وبلاد المغرب، هو ذلك النموذج "حيث الإصلاح عضوي، متدرج، ويشمل دائما الشكل والمضمون؛ وحيث التحولات بطيئة لا تكاد تثير الانتباه"؛ فإن خصوصية النموذج النابليوني الذي ترسخ في البلاد المغاربية بعد الاستقلال، أنه أقر فصلا بين المضمون الثقافي والغاية البيداغوجية ومجموع القيم التي يتأسس عليها من جهة، وكل ما يتعلق بتنظيم الجامعة وأوضاع الأساتذة والطلبة ومساطر الامتحان والإدارة، من جهة ثانية. ومن ثم فإن مبادرات الإصلاح العديدة التي شهدتها الجامعة المغربية مثلا، اتخذت شكل تغيير فوقي لا يمت بصلة للمضمون، باعتبار أن إصلاح هذا الأخير يفترض ثورة ثقافية حقيقية لا سبيل لتحققها إذا لم يتبناها المجتمع.

 

الجامعة ومكتبتها: النمو اللامتكافئ

ولعل التجسيد الواضح لهذا الفصل الصارم في تكوين وبنية النموذج الجامعي المغربي بين الشكل والمضمون، يترجمه التطور اللامتكافئ لجسد الجامعة المغربية (ديمغرافيتها) خلال الستين سنة التي تلت الاستقلال، بالمقارنة مع بنياتها المكتبية.

لقد أنشئت الجامعة المغربية الحديثة غداة الاستقلال (في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين)، مستلهمة النموذج الجامعي الفرنسي، ومعتمدة في بداياتها على أطر أجنبية. ومن ثم فإن جامعة محمد الخامس (الرباط)، التي شكلت النواة الأولى للجامعة المغربية الحديثة، لم تكن ثمرة تطور عضوي طبيعي للمؤسسة التربوية العتيقة (القرويين أو ابن يوسف)، بل تكونت على غرار المؤسسات الحديثة والمدارس العليا التي ستنشأ لاحقا، كمنجز تعليمي جديد، انضاف إلى المؤسسات القديمة الموروثة عن فترة ما قبل الحماية. وذلك وفق المنطق التناظري الذي دشنه محمد علي، خديوي مصر، في بدايات القرن التاسع عشر[2].

وهكذا شكلت جامعة محمد الخامس حتى مطلع السبعينات النواة الأساسية للتعليم الجامعي الحديث بالمغرب، وساهمت من خلال فروعها بالدار البيضاء وفاس وباقي المدن (مراكش، المحمدية أو أكادير) في إحداث شبكة من الجامعات بلغت اليوم خمسة عشر جامعة. كما انتقل عدد طلبة التعليم العالي بكل شعبه من بضع مئات في أوائل الستينات إلى حوالي 550.000 طالب (2013)، وينتظر بحكم التزايد السريع لأعداد حاملي شهادة الباكالوريا (بمعدل %22 سنويا) أن يصل إلى 1.000.000طالب في أفق 2020. وبالموازاة مع تطور الديمغرافيا الطلابية ارتفع عدد أساتذة التعليم العالي ليصل 14.000أستاذ، وتعددت الشعب الأكاديمية لتبلغ 1600 شعبة أو تخصص.

عندما نحاول النظر في تطور المكتبات الجامعية المغربية منذ الاستقلال إلى اليوم (2019)، نلاحظ أن مسارها واكب وتماهى إلى حد بعيد مع التحولات الكبرى التي شهدتها المؤسسة الجامعية. ويمكن إبراز مرحلتين رئيسيتين في تطور الجامعة ومكتبتها على امتداد العقود الستة التي تفصلنا عن تاريخ إنشاء الجامعة المغربية الحديثة:

مرحلة التأسيس (1959-1979): شهدت هذه المرحلة تأسيس الجامعة الأم (جامعة محمد الخامس بالرباط) على أنقاض بعض مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي التي أنشأتها الحماية الفرنسية، تلتها بعد ذلك عملية خلق الأنوية الأولى لجامعتي الحسن الثاني (الدار البيضاء) ومحمد بن عبد الله (فاس). وقد تميزت هذه الفترة بحضور مهم للأطر الفرنسية التي عُوضت تدريجيا بالأساتذة الباحثين المغاربة خريجي الجامعات الفرنسية، ونسبة قليلة من خريجي الجامعات المشرقية (مصر وسوريا). كما تميزت أيضا بالأعداد القليلة للطلبة، باعتبار أن التعميم المحدود للتعليم الذي انطلق في مطلع الستينات لم يكن يمس سوى المدن الكبرى، علما بأن الجزء الأكبر من ساكنة المغرب كان يعيش في الوسط القروي.

وعلى المستوى الطوبوغرافي تميزت المركبات الجامعية بقرب مكوناتها بعضها من بعض، وبالأهمية النسبية للمكتبات (أعداد المجموعات والطاقة الاستيعابية للقراء) نتيجة عاملين رئيسيين، هما: الإرث المكتبي الذي خلفته الحماية الفرنسية؛ وضعف الديمغرافيا الطلابية.

ولعل أهم مميزات هذه الفترة تكمن في مستوى جودة البحث العلمي الجامعي المحلي بالرغم من الأعداد القليلة للطلبة والأساتذة الباحثين. وذلك بفعل الصلات المكثفة بين الجامعة المغربية ومثيلاتها في أوروبا (خصوصا فرنسا) وحركية الطلبة الباحثين بين عدوتي المتوسط، والارتفاع النسبي لعدد الرسائل الجامعية المنجزة في الجامعات الفرنسية، والازدواج اللغوي للنخبة الجامعية (العلوم الإنسانية والاجتماعية) الذي انعكس على الإنتاج العلمي المحلي (المجلات الأكاديمية، الرسائل الجامعية وأعمال الندوات)[3].

مرحلة التوسع (1980 إلى اليوم): تميزت هذه المرحلة بتحولات اجتماعية بنيوية كبرى أثرت بعمق على الجامعة المغربية وعلى مكتبتها، وبشكل أوسع على نوعية البحث الجامعي. أولى تلك التحولات البنيوية يتمثل في التسارع الكبير لوتيرة التمدن حيث انتقلت نسبة ساكنة المجال الحضري من %40 في مطلع الثمانينات من القرن العشرين إلى قرابة %60 في مطلع القرن الجديد. بالموازاة مع ذلك التحول حدث انفجار في الديمغرافية الطلابية المغربية، حيث أنشئت لاستقبال الأجيال الجديدة (قرابة نصف مليون طالب) عشر جامعات في العقود الثلاث الأخيرة[4]. إذ شهدت كليات الطب والعلوم القانونية والآداب في نهاية عقد السبعينيات نموا كبيرا في أعداد طلبتها، بلغ أحيانا نسبة %50سنويا، بحيث ارتفع عدد المسجلين بكلية العلوم القانونية والاقتصادية (الرباط) مثلا،ما بين سنتي 1977-1978 و1978-1979، من 10.000 طالب إلى 15.000 طالب. وانتقل عدد الطلبة بكلية الطب (الرباط) من 1877 طالب (1975) إلى 2318 طالب (1978).

بالموازاة مع ارتفاع الطلب على الجامعة وتزايد أعداد المسجلين بمؤسسات التعليم العالي، كان على الدولة المغربية مواجهة معادلة صعبة تتمثل في التوفيق بين حاجيات وشروط متناقضة: إحداث البنيات التحتية الجامعية الضرورية لاستقبال الطلبة الجدد؛ تنفيذ مخططاتها الأمنية التي يفرضها تزايد حدة الاحتجاجات الاجتماعية (إضرابات 1981و1984) والطلابية؛ وتنفيذ توجيهات صندوق النقد الدولي المتمثلة في تطبيق مقتضيات "برنامج التقويم الهيكلي" الموجهة أساسا نحو تقليص نفقات الدولة إلى أقصى حد ممكن، مما أدى إلى تراجع مهول للاستثمارات الاجتماعية والثقافية لأزيد من عقد من الزمن (1983-1992).

وكان من آثار تلك السياسات حدوث قطيعة في مسار المؤسسة الجامعية المغربية ومكتبتها، تجسد فيما يلي:

-        تشظي بنية الجامعة بإحداث وحدات تعليمية صغيرة (كليات ومعاهد عليا) في مختلف المدن، والإقدام أحيانا على توزيع بنايات المؤسسة الواحدة عبر عدة أماكن داخل نفس المدينة. ومن ثم اختزال مفهوم الجامعة في الحد الأدنى الذي تجسده بنايات تفتقر إلى التجهيزات الأساسية، بما فيها المكتبات وبنيات النشاط الاجتماعي والرياضي والثقافي التي تقتضيها الحياة الطلابية.

-        الاستغناء عن المكتبة الجامعية المركزية بالمفهوم الدولي، واستبدالها بفضاءات للقراءة في البنايات المخصصة للتعليم العالي، تفتقد لأبسط شروط العمل المكتبي (المساحات، الطاقة الاستيعابية، الوسائل المعلوماتية، الميزانيات والموارد البشرية، الخ).

-        اختزال المؤسسة الجامعية في الوظائف التعليمية (التدريس) وتوزيع الشهادات والمؤهلات الجامعية على غرار مؤسسات التعليم الثانوي، وإفراغها من الوظيفة الأساسية المتمثلة في الاضطلاع بالبحث العلمي. وباستغنائها عن مهام البحث العلمي، سقطت الحاجة إلى المكتبة الجامعية، التي تم تعويضها بمجموعة من الكراسات التي يتم تسويقها وتوزيعها في أوساط الطلبة.

ومع إقبال المكتبات الجامعية اليوم عالميا على ركوب المنعطف الرقمي، تكون أغلب الجامعات المغربية -إذا استثنينا قلة من المؤسسات- مرشحة للانتقال إلى عصر المكتبات الافتراضية دون أن تكون قد عرفت فعلا عصر المكتبات الورقية التقليدية. فواقع حال المكتبات الجامعية المغربية يمكن اختصاره في رقمين معبرين: ديمغرافية طلابية تبلغ قرابة 900.000طالب (2019) مرشحة لتتجاوز مليون وخمسمائة ألف طالب في السنوات القادمة؛ وفضاءات مكتبية فقيرة لا يتجاوز مخزونها مليوني وحدة (كتب ودوريات ورسائل جامعية، الخ). وذلك بمعدل 1،8وحدة لكل طالب، بينما يتراوح معدل التزويد (الاقتناءات الورقية) في المكتبات الجامعية على المستوى العالمي ما بين 3,5(المكتبات الجامعية الأمريكية واليابانية والسكندنافية مثلا) و1,5(المكتبات الجامعية في جنوب أوروبا: فرنسا، إيطاليا أو إسبانيا) وحدة لكل طالب سنويا.

واقع حال الوحدات التوثيقية في المؤسسات الجامعية

في ظل غياب مكتبات جامعية بالمعنى الدولي المتعارف عليه، تعيش الوحدات التوثيقية بكليات ومعاهد التعليم العالي المغربي أوضاعا مزرية، تتسم بالخصائص الآتية:

-        البنايات والطاقة الاستيعابية: نظرا للاختيار الأصلي الذي اعتمد بالمغرب والمتمثل في الاستغناء عن نموذج المكتبة الجامعية المركزية، وتبني فكرة المكتبات الفرعية الصغيرة و"المتخصصة"، فقد أدى الأمر إلى التهميش الكامل للمؤسسة المكتبية داخل الجامعة المغربية. ومن ثم اختزلت فكرة المكتبة الجامعية في صنف البنايات المخصصة لحفظ مجموعات فقيرة من الوثائق، لا توفر الشروط الدنيا المطلوبة: فضاءات القراءة الكافية لاستقبال الطلبة وفق المواصفات الدولية: 1,5متر مربع لكل طالب؛ هذا بالإضافة إلى التجهيزات والمرافق (الارتباط بشبكة الأنترنيت، الطاولات، الكراسي، الخ) والإدارة.

-        الموارد البشرية: تفتقر الوحدات التوثيقية في المؤسسات الجامعية إلى موارد بشرية مؤهلة، قادرة على الاضطلاع بالوظائف المكتبية التي تقتضيها المؤسسة المكتبية الحديثة: تدبير سياسات التزويد، الفهرسة وبناء قواعد البيانات، تدبير الصبيب والاشتراكات الرقمية، توجيه وتلبية حاجيات الطلبة.

-        الأوضاع القانونية المبهمة: تعد الوحدة التوثيقية مرفقا هامشيا ضمن مرافق المؤسسات الجامعية. وانطلاقا من هذه الوضعية، فإن مصير المكتبة يرتبط إلى حد كبير بمدى اهتمام العميد أو مدير المعهد (الذي يحدد الميزانية السنوية، ودرجة العناية بالمكتبة). وفي ظل غياب قانون يحدد طبيعة المكتبة الجامعية وطرق تنظيمها واشتغالها، والوضعية الإدارية للقائمين عليها (عمداء المكتبات الجامعية، المحافظون، المكتبيون، المعاونون، الخ) تظل المكتبة ضمن البنية العامة للمؤسسات الجامعية، عنصرا هامشيا تطبعه الهشاشة والافتقار إلى أدنى شروط النمو الطبيعي.

-        نفقات الاقتناء: ولعل أبرز مظاهر تهميش الوحدات المكتبية في المؤسسات الجامعية، يتجلى في الطابع الرمزي لميزانيات الاقتناء. والمعروف في هذا المجال أن الجزء المخصص من الميزانية الجامعية حصريا للاقتناءات (شراء المطبوعات، الاشتراكات الورقية والرقمية في الدوريات العلمية) يُعتمد دوليا كمؤشر رئيس لقياس مدى دينامية المكتبات الجامعية وخدمتها للبحث العلمي والابتكار. فبينما يتراوح معدل مصاريف الاقتناء في المكتبات الجامعية على المستوى العالمي في حده الأدنى: 27أورو/طالب (جامعة ليون 2و3– فرنسا) وفي حده الأعلى: 789أورو/طالب (جامعة ستانفورد-الولايات المتحدة الأمريكية)[5]، فإنه لا يكاد يتجاوز 1,5دولار لكل طالب في أهم المكتبات الجامعية المغربية (جامعة محمد الخامس/الرباط).

-        غياب أية استراتيجية للتعاون ما بين المكتبات: تشتد حدة الآثار السلبية للتشظي الذي تعرفه البنيات المكتبية على المستوى الجامعي، بفعل غياب أية خطة جهوية أو وطنية للتعاون ما بين المكتبات الجامعية. ويتجلى هذا الواقع في انعدام الوسائل التقنية الكفيلة بخلق شبكات معلوماتية جامعية تسمح بالاقتصاد في الجهود (الفهرسة وبناء قواعد المعلومات؛ الاشتراكات المعقلنة في المكتبات الافتراضية؛ الإعارة ما بين المكتبات، الخ). وهكذا فبالإضافة إلى المفارقة المهولة القائمة بين أعداد الطلبة والعرض المكتبي (المجموعات/الفضاءات) المشتت بين وحدات مكتبية صغيرة متناثرة عبر بنيات عبر وحدات التعليم الجامعي، تنضاف مفارقة أخرى تتمثل في عدم اعتماد أنظمة معلوماتية حديثة تسمح بالترابط بين تلك الجزر الصغيرة المتناثرة حتى توحد جهودها وتعقلن تدبير مواردها الضئيلة.

آفاق العمل: المكتبة الجامعية في زمن التحولات

اقتضت ملابسات تاريخ الجامعة المغربية الحديثة أن تنشأ في شروط ديمغرافية ومجتمعية واقتصادية وسياسية مطبوعة بالاستعجال بحكم التنامي المتسارع للطلب المجتمعي على التربية والتعليم الجامعي بشكل خاص. ومن ثم فإن مؤسسات التعليم العالي أنشئت، في أغلب الأحيان، وفق استراتيجية تتوخى تكوين الأطر الوطنية في مرحلة أولى، ثم السعي لتلبية الطلبات المجتمعية في مرحلة ثانية، وبمنطق لا يخلو من الارتجال والتسرع. لا عجب إذن في مثل هذه الظروف أن تنشأ تلك المؤسسات الأكاديمية بدون مكتبات ومن دون بحث علمي؛ أي بمعزل عن الشرطين الأساسيين اللذين ميزا الجامعة في التجربة الغربية الحديثة[6].

سؤال المستقبل والآفاق يطرح اليوم كالآتي: أية مكتبة جامعية للمساهمة في تحقيق التميز العلمي؟

بما أن المكتبة الجامعية المغربية لم تتأسس بعد، فإن سؤال المستقبل هو أيضا وبشكل ما: كيف نؤسس مكتبة جامعية للقرن الواحد والعشرين، آخذين بعين الاعتبار معطيين أساسيين هما: غياب التقليد الموسوعي (الورقي) الذي كرسته الجامعات الغربية منذ القرن التاسع عشر؟ ثم تأكد التوجه الرقمي كأفق لإنتاج وترويج واستهلاك المعرفة.

يتميز السياق الحالي بمجموعة من الخصائص يجب أخذها بعين الاعتبار لاستشراف آفاق العمل المستقبلي، منها:

-        التحول العميق في أشكال التوثيق المعتمدة عالميا في الأوساط الأكاديمية؛

-        التطور المتسارع في أنماط ممارسات البحث والقراءة لدى الطلبة والأساتذة في العقد الأخير؛

-        التغير العميق في سوسيولوجيا جمهور المؤسسات الجامعية، تحت تأثير تعميم التمدرس؛

-        التحديات الجديدة التي تواجه المؤسسة الجامعية على ضوء متطلبات الاستقلالية الجامعية، المنافسة المحلية والدولية، وتطوير البحث العلمي.

إذا أخذنا بعين الاعتبار كل هذه المعطيات، تتأكد لنا بالضرورة الحاجة لمكتبة جامعية من طراز جديد غير مسبوق. لماذا؟

إن للتطور الرقمي المتواصل تأثيرين حاسمين على المكتبات التقليدية: التأثير الأول يتجلى في الفصل بين فضاءات حفظ الوثائق وفضاءات الاطلاع واستخدام تلك الوثائق؛ أما التأثير الثاني فيمس وظائف المكتبيين ووضعهم المهني. وهما تحولان يهمان جوهر المؤسسة المكتبية التقليدية.

 

لا جدال في أن التوجه الرقمي (إنتاج ونشر واستهلاك الوثائق المختلفة) يتسارع إيقاعه وأثره يوما بعد يوم. وإذا كان اليوم جزء فقط من العرض الوثائقي يتخذ صيغة رقمية، فلا شك أن مجموع العرض الوثائقي سيتخذ في العقود القادمة شكلا رقميا. ومن ثم فإن المكتبة (أية مكتبة) لن تظل، كما كان الأمر في السابق، الفضاء الطبيعي لحفظ الإنتاج العلمي والاطلاع عليه. كما ستشهد المعالجة التقنية للمجموعات (الفهرسة والتصنيف والتكشيف) بدورها تحولات عميقة. ومن ثم فإن التوجه العالمي نحو بناء شبكات معلوماتية (فهارس آلية جماعية) الذي طبع القطاع المكتبي في العقدين الأخيرين، سوف يتعزز بتمركز شديد لأشغال المعالجة الفنية للوثائق وحصرها في فرق مهنية محدودة تشتغل لفائدة الجميع، وستستغني المكتبات بالتالي عن وظائف الفهرسة والتصنيف والتكشيف، التي كانت تنجزها محليا[7].

بالنظر إلى هذه المعطيات، تظهر الحاجة في المغرب لعدد محدود من المكتبات الجامعية المركزية والمتخصصة، شريطة أن تغير جذريا طرق عملها. إنه التحدي الذي تواجهه اليوم مكتبة مغربية استثنائية (مكتبة مؤسسة الملك عبد العزيز للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية) دأبت على امتداد العقود الثلاثة الأخيرة على خدمة البحث العلمي في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، وعبأت لذلك رصيدا وثائقيا متميزا (أزيد من 900.000وحدة) وقواعد بيانات متطورة. وهو التحدي نفسه الذي يقف في وجه وحدة توثيقية من الجيل الجديد مثل المعهد المغربي للإعلام العلمي والتقني )IMIST (الرامي إلى عقلنة تدبير الموارد الوطنية في مجال الإعلام العلمي والتقني. ويمكن القول إن القطاع المكتبي الجامعي يوجد اليوم أمام خيار مصيري: إما أن يُحول تأخرنا إلى فرصة لبناء جيل جديد من المؤسسات المكتبية في إطار خطة للنهوض بالجامعة والبحث العلمي وتدارك التأخر الحاصل في القرن العشرين، أو نضيع الفرصة المتاحة ونعمق تخلفنا العلمي والاقتصادي والمجتمعي بشكل نهائي، بحيث تكرر تجربة التهميش والجمود التي شهدها المغرب ما بين القرنين 16و19م.

جانب من قاعات المطالعة – مكتبة مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود – الدار البيضاء



[1]انظر:

Abdellah Laroui, « Les deux systèmes de réforme universitaire et révolution culturelle », In : revue Prologues, n° 35, 2006, p. 22-27.

[2]شكل الاختيار التعليمي لمحمد علي في مصر نوعا من الباراديغم الذي ساد في البلاد العربية حتى اليوم. ويتمثل هذا الاختيار في الحفاظ على مؤسسات التعليم التقليدي (الأزهر) من دون إصلاح أو تحديث عميق، مع تكوين شبكة من المؤسسات التعليمية الحديثة على المنوال الأوروبي، تتولى بالإضافة إلى مهام الجامعة الحديثة، مجموع وظائف المؤسسات التقليدية باستثناء الوظيفة الدينية.

[3]انظر مثلا:عبد الأحد السبتي، "في إنتاج المعرفة التاريخية" مجلة آفاق، 1993، ص. 130.

[4]وتجدر الإشارة إلى أن الديمغرافية الطلابية المغربية بالنظر إلى ساكنة المغرب، تظل مع ذلك ضعيفة (20 طالب لكل ألف نسمة) بالمقارنة مع دول الجوار: الجزائر (32 طالب/1000 نسمة)، تونس (34 طالب)، مصر (30 طالب)، الأردن (40 طالب).

[5]انظر:

Comparaison internationale de bibliothèques universitaires : étude de cas, Rapport n°2009-0017, janvier 2010 soumis à la ministre de l’Enseignement supérieur et de la recherche-France.

[6]انظر بهذا الخصوص:

-          Jacquette Reboul, Les cathédrales du savoir ou les bibliothèques universitaires de recherche aux Etats-Unis, Publications de la Sorbonne, 1982.

-          André Miquel, Les bibliothèques universitaires : rapport au ministre d’Etat, ministre de l’Education nationale, de la Jeunesse et des Sports, Ed. La Documentation française, 1989.

[7]انظر:

-      L’avenir des bibliothèques : exemple des bibliothèques universitaires, sous la direction de Florence Roche et de Frédéric Saby, Presses de l’ENSSIB, 2013.

-      Horizon 2019 : bibliothèques en perspective, Presses de l’ENSSIB, 2011.


أضف تعليق

Actualiser
+