مجتمع

الرئيسية مجتمع 
ألفة يوسف

باحثة تونسية، أستاذة جامعية في اللسانيات بجامعة منوبة، تونس. مهتمة بالدراسات الإسلامية والقرآنية على وجه خاص. من مؤلفاتها :
الذكر كالأنثى : في الهوية الجنسية (2014) ؛
شوق ... : قراءة في أركان الإسلام (2010) ؛
(2007) Le  Coran au risque de la psychanalyse
 

تساؤلات مسلمة معاصرة بخصوص نظام الميراث الإسلامي


 
 
في هذه المقالة أرادت ألفة يوسف الذهاب أبعد من مقارنة القوانين المتصلة بالميراث، أو الوقوف عند ما يقوله المفسرون والفقهاء القدماء أو الحقوقيون المحدثون فيهذا المجال. لقد حاولت العودة إلى الآيات القرآنية، تقرؤها من جديد وتستفسر صريحها، فإذا بها أمام ضروب من الحيرة شتى. ومن ثم فهي تكشف للقارئ أن نظام المواريث، الذي تزعم مختلف تشريعات البلدان الإسلامية أنه يتأسس على النص القرآني، ليس في الحقيقة سوى ثمرة إجماع المفسرين والفقهاء، ذلك الاجماع الذي، من منظورها، يخالف في جزء كبير منه صريح النص القرآنيوروحه.

تزعم تشريعات البلاد الإسلامية كلها أنها تقيم أساسها التشريعي في مجال الميراث على القرآن. ولا يشذ عن ذلك القانون التونسي في مجال الأحوال الشخصية. فهذا القانون الذي يعد أكثر قوانين البلدان المسلمة قياما على تحقيق المساواة بين المرأة والرجل ما زال يعمل بقاعدة : « للذكر مثل حظ الأنثيين »1. ولا يهمنا أن نقيم القوانين في ذاتها ولا أن نميز قانونا على آخر بقدر ما نحاول أن نبحث في الأسس الشرعية لهذه القوانين، فلم نكتف بما يقوله المفسرون والفقهاء بل والحقوقيون المحدثون في مجال الميراث ، وعدنا إلى آيات المواريث في نصها الأصلي القرآن الكريم، فإذا بنا إزاء ضروب من الحيرة شتى.

الميراث بين الجبر الإلهي والاختيار البشري

علاقة الإنسان بالمال في الإسلام تحيل على مفهوم الملكية. وملكية المسلم للمال لا تعدو أن تكون قائمة على الاستخلاف («...وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه... »، الحديد 57/7)، فالإنسان المسلم مستخلف في ملك الله، عليه أن يتصرف في ماله تصرفا محددا محكوما بقواعد شرعية تجعل بعض طرق تدبير المال حراما شأن الربا، وتجعل بعض طرق تدبير المال حلالا شأن التجارة (« ..وأحل الله البيع وحرم الربا.. »، البقرة 2/275)، وتفرض على المسلم زكاة في ماله (« والذين في أموالهم حق معلوم – للسائل والمحروم »، المعارج 70/24-25) وتشجع على الإنفاق في سبيل الله بجعله من وجوه التقوى والهداية والفلاح (الم-ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين-الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون-والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون-أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون" (البقرة 2/ 1-5). على أن حدود تدبير المال هذه ليست سوى « توجيهات » عامة لا تمنع حرية تصرف المسلم في المال ما لم يتعدها.

ولئن كان بديهيا أن تصرف الإنسان في ماله لا يكون إلا في حياته، فإن هذه البداهة لا تمنع إمكان تناول هذا التصرف في الموضوع الواحد من منظورين مختلفين : أولهما تدبير المسلم ماله وهو حي يشهد سبل جمع المال ووجوه إنفاقه، وثانيهما تدبير المؤمن ماله في حياته محددا كيفية جمعه أو إنفاقه بعد مماته. فأما الوجه الأول فلا صلة له بمبحثنا في مجال الميراث، وأما الوجه الثاني فمن صلب مبحث الميراث إذ هو يضمر السؤال التالي : إلى أي مدى يحق للمسلم الحي تقرير سبل تدبير ماله بعد وفاته ؟

ظاهر القرآن يبين أن الإنسان حر في وصيته، وهذا ما يؤكده الرازي إذ يقول : « اعلم أن ظاهر هذه الآية2 يقتضي جواز الوصية بكل المال وبأي بعض أريد » بل إن هذا المفسر يدعم القرآن بحديث للرسول صلى الله عليه وسلم : «ومما يوافق هذه الآية من الأحاديث ما روى نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما حق امرئ مسلم له مال يوصي به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده". فهذا الحديث أيضا يدل على الإطلاق في الوصية كيف أريد »3.

على أن الرازي بعد إقراره الصريح هذا يحاول أن يخصص الآية القرآنية المذكورة بمواضع أخرى من القرآن، فيعتبر أن الوصية بكل المال غير جائزة لأنها تقتضي نسخ قول الله تعالى : « للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا » (النساء 4/7)4. ولا نفهم اقتضاء هذا النسخ إلا إذا فهم النصيب في الآية باعتباره يفيد ضرورة أن يذهب بعض المال إلى الورثة وبذلك تنتفي الوصية بكل المال. على أن هذا ليس إلا فهما ممكنا يتظافر عليه إمكان ثان مفاده أن الآية تؤكد ضرورة توريث النساء اللواتي كن محرومات من الميراث وذلك دون إطلاق ضرورة أن يورث كل المال وضرورة أن تمنع الوصية به كله، وبذلك يمكن أن يكون الميراث للنساء ولسواهن في حالات وفاة الموروث دون أن يكتب وصيته أو في حال اختياره أن يقتصر على الوصية ببعض ماله فحسب كما يمكن أن يوصي الميت بكل ماله قبل وفاته. ومن ثم قد تكون الآية السابعة من سورة النساء محددة لفرائض الميراث إذا اختار المسلم السكوت عن وصيته أو عن جزء منها وهي آية لا تفيد قطعا ضرورة وجود الميراث والأهم أنها لا تنفي إمكان الوصية بكل المال أو بعضه وفق اختيار صاحب المال قبل أن يتوفى.

على أن من ينفي الوصية بكل المال يستند أيضا إلى حديث للرسول هو قوله عليه الصلاة والسلام في الوصية : «الثلث والثلث كثير إنك إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس »5. إن هذا الحديث لم يرد بالضرورة في مقام تشريعي عام بل في مقام استشاري خاص. وهو في ذلك شبيه بحديث آخر أورده الطبري فقد «قالوا: مرض سعد بمكة مرضا شديدا، قال فأتاه رسول الله يعوده، فقال : يا رسول الله لي مال كثير وليس لي وارث إلا كلالة أفأوصي بمال كله ؟ فقال : لا »6. وهذا الحديث قد يكون معبرا عن حالة فردية مخصوصة وإلا فكيف نفسر تعارضه مع الحديث النبوي السابق ذكره والذي يجيز حرية الإنسان في وصيته وفق تصريح الرازي بنفسه. إن الحديث السابق وهو : « ما حق امرئ مسلم له مال يوصي به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده » حديث عام، أما الأحاديث الأخرى فقد قيلت في مقال أخبار فردية متفرقة لا نعرف كيف اكتسبت البعد التشريعي الأعم. ثم إن هذا الحديث المذكور الذي يحدد الوصية بثلث المال فحسب قد يكون معبرا عن ندب دون الإلزام، وهو ندب يسند إلى أحاديث الرسول فيقبله المفسرون حينا وينفونه أحيانا أخرى7.

من هم الوارثون ؟

اختلف المفسرون أيما اختلاف في تحديد الوارثين. فقد أقر القرآن صراحة بأن الرجال والنساء سواء في أحقيتهم الإرث استنادا إلى قوله تعالى : « للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا » (النساء 4/7). وهذه الآية تصرح بأن الوارثين لا يقتصرون على الأبناء فحسب بل يتجاوزونهم إلى ذوي القربى. واستنادا إلى هذه الآية ذهب أبو بكر الرازي إلى توريث ذوي الأرحام من العمات والأخوال وأولاد البنات الذين لا يورثهم سواه من الفقهاء في أي حال من الأحوال8. وقد لاقى موقف أبي بكر الرازي هذا معارضة كبرى من الفخر الرازي بدعوى أن الله تعالى قال في آخر الآية : « نصيبا مفروضا » أي نصيبا مقدرا، وبالإجماع ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر9، « فلو كان لهؤلاء حق معين لبين الله تعالى قدر ذلك الحق كما في سائر الحقوق »10.

ويكفي التأمل في هذا الموقف السائد حتى يبان تهافته ذلك أن لا مبرر لتفسير النصيب المفروض بالنصيب المقدر، فالأحكام المفروضة هي الأحكام الواجبة تثبت ذلك المعاجم اللغوية ويثبته الفخر الرازي نفسه إذ يقر في سياق آخر من تفسيره أن « الفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتما عليهم قطعا لعذرهم »11. ثم إن الله تعالى لم يقدر كل الحقوق في الميراث وسكت عن كثير منها. وهذا السكوت لم يمنع المفسرين والفقهاء من أن يتأولوا فروضا للمسكوت عنهم بل إن سكوت الله عز وجل عن بعض الفروض وتأول المفسرين لجزء كبير منها هو جوهر مسألة التعصيب مثلما سيأتي لاحقا. والأهم أن إجماع الأمة لا يمكن بحال من الأحوال أن يخالف صريح النص القرآني الذي يعطي للقرابة حظا من الميراث. فهل يُعقل والنص صريح في إثبات الميراث للقرابة أن يقول بعض المفسرين : « توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل قاطع بإجماع الأمة »12. ولكن قد ندعو من الآن إلى كبت التعجب والاستغراب إذ سيتكرر تفويق الإجماع على صريح كلام الله مرات كثيرة في مسائل الميراث.

فإذا جئنا إلى الآية الموالية أي الآية الثامنة من سورة النساء لوجدناها توسع مجال الوارثين، فمن ذوي القربى إلى اليتامى إلى المساكين في حال حضورهم القسمة. يقول الله تعالى : « وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا » (النساء 4/8). وليس من الغريب وقد وجد المفسرون والفقهاء حرجا في إقرار نصيب من الميراث لذوي القربى أن يجدوا حرجا أكبر في شمول الميراث اليتامى والمساكين وهم الغرباء عن الميت الموروث. لذلك بحثوا عن وسائل شتى لنفي هؤلاء الوارثين الممكنين، فاعتبر بعضهم هذه الآية منسوخة بآية المواريث دون أن يستندوا إلى أي حجة نقلية، وحمل غياب هذه الحجة البعض الآخر إلى اعتبار أن هذه الآية وإن لم تكن منسوخة، فإنما هي تفيد أمرا على سبيل الندب والاستحباب لا على سبيل الوجوب. وتجنب بعضهم الآخر مقولة النسخ النسبية تاريخيا ومقولة الاشتراك في دلالات الأمر النسبية لغويا ليفسروا القسمة بالوصية مقررين : « أن المراد بالقسمة الوصية »13. فإذا بهؤلاء المفسرين في سعيهم نحو تجنب النسبية تاريخية كانت أو لغوية ينشئون تفسيرا لغويّا لا يقول به أي معجم وإذا بهم يتمحّلون دلالة اللغة محوّلين العامّ اللغوي خاصا دون أي حجة عقلية ولا نقلية. فليس من الغريب حينئذ أن يشير ابن عباس إلى تجاهل المفسرين للآية المذكورة، وليس من الغريب أن يعدّها من « ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحدا يعمل بهن »14.

تتواصل مشاركة المفسرين والفقهاء لله تعالى في تحديد الورثة فإذا بهم يتفقون على أن عموم قوله تعالى : « للذكر مثل حظ الأنثيين» مخصوص في صور أربعة : أحدهما أن الحر والعبد لا يتوارثان وثانيها أن القاتل على سبيل العمد لا يرث وثالثها أنه لا يتوارث أهل ملتين15 ورابعها أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون. ولا يذكر هؤلاء المفسرون نصا صريحا في منع توارث الحر والعبد أما تحريم إرث القاتل على سبيل العمد فهو لا شك مستند إلى منطق عقلي مفاده أن القاتل قد يكون قتل قريبا بغية الحصول على ميراثه. فها أن المفسرين والفقهاء يعمدون أحيانا إلى مجرد النظر العقلي ليقروا أحكاما إلهية وها أنهم يجوزون ذلك متى شاؤوا ويمنعونه متى شاؤوا. ورغم أن منع توارث أهل ملتين يستند على ما يبدو إلى حديث للرسول صلى الله عليه وسلم قال فيه : « لا يتوارث أهل ملتين » فإن هذا المنع يبقى أمرا مثيرا للجدل لأن الحديث المذكور ينفي أن يرث المسلم غير المسلم مثلما ينفي أن يرث غير المسلم المسلم، أما بعض المفسرين فيحتجون بحديث آخر أخص من الأول روي عن معاذ أي عن شخص واحد وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « الإسلام يزيد ولا ينقص ». فإذا بهذا الحديث يخرج من سياقه الذي لا نعرفه ليقحم في سياق آخر لا شك أنه أكثر إفادة لا للنظر العقلي بل للكسب المادي، فيعتمد حجة لتوريث المسلم من الكافر ويعتمد في الآن نفسه حجة لمنع توريث الكافر من المسلم16.

ومن أطرف الأخبار عن تخصيص صريح القرآن وتحويله ما نقل من خلاف بين فاطمة بنت الرسول وأبي بكر الصديق إذ طلبت فاطمة الميراث فمنعوها منه بحجة أن أبا بكر استند إلى قول للرسول صلى الله عليه وسلم هو : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ». وهذا الحديث إن صح إنما هو مقول يفيد معنيين مختلفين وذلك وفق بنيته التعالقية. فإن كان متكونا من جملتين الأولى هي : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث »، والثانية هي : « ما تركناه صدقة »، أقر الحديث منع وراثة الأنبياء وصرح بأن ما يخلفونه بعد مماتهم ليس سوى صدقة. وإن كان الحديث متكونا من جملة واحدة على أساس أن قوله « ما تركناه صدقة » صلة لقوله « لا نورث » كان تقديره « أن الشيء الذي تركناه صدقة فذلك الشيء لا يورث »17. وحينئذ لا يفيد الحديث منع توريث الأنبياء منعا مطلقا بل إنه يفيد منع توريث ما تركوه من مالهم صدقة، أما ما عدا ذلك فيمكن أن يورث18.

للذكر حظ الأنثيين ؟

قال الله تعالى : « يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف... » (النساء 4/ 11). على أن القرآن الذي يؤكد أن للذكر حظ الأنثيين لا يحدد مقدار حظ الأنثيين. وقد صرح ابن عاشور : « بقي ميراث البنتين المنفردتين غير منصوص في الآية »19. ومثل غياب التحديد هذا مشكلا أقره المفسرون، فاعتبر ابن العربي أن قول الله تعالى : « فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك » يحيل على « معضلة عظيمة »20. وإزاء هذه المعضلة ذهب المفسرون مذاهب شتى لا مذهب منها مقنع.

فقد اعتمد بعضهم تأويلا غريبا للغة جعل الاثنين يلحقان بالثلاث لأنهما أكثر من واحدة21، وعندئذ يجوز التساؤل لماذا لا يلحق الاثنان بالأربعة أو حتى الخمسة، أليس الأربعة والخمسة أكثر من الواحدة ؟ ثم إن هؤلاء لا يقتصرون على تجاوز قواعد اللغة العربية التي تميز بين المثنى والجمع، بل يتحدون صريح النص القرآني الذي لا يكتفي باستعمال الجمع أي كلمة « نساء » بل يتجاوز ذلك إلى الإقرار المباشر بأنهن « نساء فوق اثنتين ». ومن هذا المنظور أكد ابن عباس : « الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا... واحتج عليه بأنه تعالى قال : فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك » وكلمة « إن » في اللغة للاشتراط وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعدا، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين »22.

وخلافا لهذا الموقف المنطقي المستند إلى ظاهر النص، نجد الرازي، لقلقه من صمت القرآن عن تحديد حظ الأنثيين من الميراث، يحمل نصيب البنتين على نصيب الأختين انطلاقا من آية أخرى : « ...إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك... » (النساء 4/ 176) فتجده يقول : « لما كان نصيب الأختين الثلثين كان البنتان أولى بذلك لأنهما أقرب إلى الميت من الأختين »23. ولا نفهم كيف لم يفطن الرازي إلى أنه في حال الإقرار جدلا أن البنتين أقرب من الأختين فإنه يجوز التساؤل : لماذا يكون نصيب البنتين وهما الأقرب من الميت على قدر نصيب الأختين، ولماذا لا يكون أكثر ؟

ولا نستغرب أن يعمد الطبري، وجامع بيانه نموذج للتفسير بالمأثور، إلى تحديد فريضة البنتين الاثنتين : « بالسنة المنقولة نقل الوراثة التي لا يجوز فيها الشك »24. وهو يستند إلى حديث يقول إن امرأة سعد بن الربيع جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت له : إن سعدا هلك وترك بنتين وأخاه، فعمد أخوه فقبض ما ترك سعد، وإنما تنكح النساء على أموالهن. فلم يجبها في مجلسها ذلك. ثم جاءت فقالت : يا رسول الله ابنتا سعد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادع لي أخاه، فجاء فقال ادفع إلى ابنتيه الثلثين وإلى امرأته الثمن ولك ما بقي25. على أن لهذا الحديث رواية أخرى مختلفة في الشخصيات مما قد يعد ثانويا ومختلفة في عدد البنات مما هو مفيد أيما إفادة. وتقول هذه الرواية إن أوس بن ثابت الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من بني عمه وهما وصيان له يقال لهما سويد وعرجفة وأخذا ماله. فجاءت امرأة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت القصة وذكرت أن الوصيين ما دفعا إليهما شيئا وما دفعا إلى بناته شيئا من المال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله في أمرك. فنـزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية : « للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا »26. إن الحديثين « الصحيحين » يختلفان في عدد البنات، فالمروي الأول يجعلهما اثنتين والمروي الثاني يجعلهما ثلاثا، وانطلاقا من هذا الاختلاف لا نرى سنة منقولة نقل الوراثة « لا يجوز فيها الشك » ولا نجد توفيقا بين هذه السنة « القاطعة »التي يقر بها الطبري وما يؤكده ابن عاشور من أن حديث امرأة سعد بن الربيع لا يصلح للفصل في تحديد نصيب البنتين لأن في روايته اختلافا هل ترك بنتين أو ثلاثا27.

هكذا نرى كيف يسمح المفسرون والفقهاء لأنفسهم بتمحل صريح للآية متعسفين على اللغوي والتاريخي، وهكذا يتضح أنهم لا يجدون حرجا في مخالفة خيار الله تعالى أن يسكت عن حظ الأنثيين. أليس كل ما يفعله الله تعالى مستندا إلى حكمة ؟ وأليس القرآن كلام الله تعالى تجليا من تجليات هذه الحكمة ؟ فلماذا لا نتعامل مع سكوت الله عز وجل عن حظ الأنثيين باعتباره حكمة من حكمه نحاول تأويلها واعين أنه ما يعلم تأويلها إلا الله ومقتنعين بأننا لا نملك القول الفصل، ولكن في الآن نفسه مقرين بأن الله عز وجل لا يمكن أن يصمت عن حظ الأنثيين عبثا أو اعتباطا. أليس في ذلك دعوة إلى إعمال النظر والفكر والتأمل ؟ ألم يقرر ابن العربي « أن الله سبحانه وتعالى لو كان مبينا حال البنتين بيانه لحال الواحدة وما فوق البنتين لكان ذلك قاطعا، ولكنه ساق الأمر مساق الإشكال لتتبين درجة العالمين وترتفع منـزلة المجتهدين »28.

ومن هذا المنظور يجوز أن نتساءل : بأي حق يسمح ابن عاشور لنفسه بأن يقر إقرار المتيقن : « وقوله للذكر حظ الأنثيين جعل حظ الأنثيين هو المقدار الذي به حظ الذكر، ولم يكن قد تقدم تعيين حظ الأنثيين حتى يقدر به، فعلم أن المراد تضعيف حظ الذكر من الأولاد على حظ الأنثى منهم »29. من أدراه بأن المراد تضعيف حظ الذكر، ولماذا لا يكون سكوت الله عن حظ الأنثيين، وهو في الآن نفسه سكوت عن حظ الذكر، فتحا ضمنيا للاجتهاد في مسألة المواريث التي لا تعدو أن تكون شأن كل التشريعات وكل القوانين متصلة اتصالا وثيقا بسياقها التاريخي ؟

والطريف أن ابن عاشور مثلا يتفطن إلى « نكتة لطيفة » مفادها أن القرآن أقر أن « للذكر حظ الأنثيين » دون إمكان لغوي آخر هو : « للأنثى نصف حظ ذكر » أو « للأنثيين مثل حظ ذكر »، وذلك بغرض « الإيماء إلى أن حظ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهم من حظ الذكر إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظها في أول ما يقرع الأسماع قد علم أن قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات »30. تَفَطّن ابن عاشور إلى أهمية حظ الأنثى ولكنه وهو اللغوي المتبحر لم يفطن إلى أن المقول القرآني سواء منه المفترض وهو « للأنثى نصف حظ ذكر » أو المصرح به وهو « للذكر مثل حظ الأنثيين » لا يسكت عن حظ الأنثيين فقط بل يسكت أيضا عن « حظ الذكر » فاتحا بذلك مجال الاجتهاد في نصيب الورثة.

وقد أشار بعض المفسرين إلى سكوت الله تعالى عن حظ الذكر إذا كان للمتوفى ولد ذكر واحد. وتساءلوا هل يرث هذا الذكر المال كله مثلما يذهب إلى ذلك « إجماع الأمة » أم يرث حظ الأنثيين الذي حدده إجماعهم ذاته مدعيا الاستناد إلى النص، أي يرث الثلثين فحسب. لا نتعجب أن نجد المجتمع الذكوري يقر الإمكان الأول أي وراثة الذكر الواحد للمال كله، ولا نتعجب إذ نجد المفسرين يؤولون أن « يوصيكم الله في أولادكم » إنما المراد منه حال اجتماع جنسي الذكور والإناث في الأولاد لا حال الانفراد31. وهذا التأويل شأن سابقيه لا يستند إلى أي حجة لغوية ولا نقلية.

إن أي اجتهاد في مجال المواريث لا بد أن يضع نصب عينيه أن المجتمع الجاهلي لم يكن يورث المرأة ولا الطفل. ويجب أن لا ننسى أن المجتمع الإسلامي الأول كان يسير وفق القاعدة الاجتماعية التاريخية التي تقصر الميراث على من يلاقي العدو ويقاتل في الحروب32. كما أنه يجب أن لا ننسى أن بعض المسلمين انزعجوا أيما انزعاج من إسناد الله تعالى نصيبا من الميراث للنساء، فهؤلاء – وهو المسلمون الأوائل الذين يقدمهم لنا البعض اليوم في صورة مثالية يطيعون دون تلكإ وينفذون دون نقاش – لم يقبلوا أوامر الله تعالى بتوريث النساء إلا على مضض. يثبت ذلك الخبر التالي عن الطبري : « كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، لا يرث الرجل الصغير ولا المرأة. فلما نزلت آية المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا : يرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم به والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال. فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء. فانتظروا. فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا : لئن تم هذا إنهلواجب ما منه بد »33. ولعل هؤلاء الذين ترجوا السماء لتغير حكمها ثم قبلوا الواجب عن مضض أقل استنكارا لكلام الله من مسلمين سواهم ودوا لو نسي الرسول قوله أو غيره . ففي رواية يوردها الطبري قال الناس بعد نزول آيات المواريث : « تعطى المرأة الربع والثمن وتعطى الابنة النصف ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة. اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه أو نقول له فيغيره »34. فإذا تلدّد هؤلاء المثاليون صحابة الرسول ومعاصروه عن توريث البنات فلن نستغرب أن يتواصل إلى اليوم في عدد كبير من « المجتمعات الإسلامية » حرمان الإناث حقهن في الميراث بدعوى أن المال الذي ترثه البنت إنما يذهب في حقيقة الأمر إلى زوجها أي إلى صهر غريب لا تربطه بالعائلة صلة نسب دموي.

وقد حاول بعض الدارسين المحدثين تبرير منح الإناث نصف نصيب الذكور من الميراث بأن من واجب الرجل الإنفاق على زوجته وأبنائه وأن ضرورة الإنفاق هذه تتطلب منه نصيبا أوفر من المال يسد به مختلف نفقاته. ولا ندري إن كان هؤلاء جادين في هذا التأويل أو إن كان تأويلهم مجرد ذريعة تتستر بالمساواة وتبرر حيفا واضحا إزاء المرأة، ولكننا في الحالتين نتعجب موقفهم، ذلك أن المفسرين القدامى خلافا للمحدثين وإن أشاروا إلى « أن خرج المرأة أقل لأن زوجها ينفق عليها، وخرج الرجل أكثر لأنه هو المنفق على زوجته، ومن كان خرجه أكثر فهو إلى المال أحوج »35، لم يكونوا يجدون حرجا ليؤكدوا أن « نقص الميراث من وجوه تفضيل الذكر على الأنثى »36. فهو أكمل حالا من المرأة في الخلقة وفي العقل وفي المناصب الدينية مثل صلاحية القضاء والإمامة وأيضا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ومن كان كذلك وجب أن يكون الإنعام عليه أزيد ثم إن المرأة قليلة العقل كثيرة الشهوة، فإذا انضاف إليها المال الكثير عظم الفساد37.

إن الرازي وسواه من المفسرين القدامى أقروا بأن في نقص نصيب المرأة من الميراث عن نصيب الرجل تفضيلا للرجل. أما المحدثون فإنهم انبروا يبحثون عن تفسير منطقي لهذا النقص في حين أنه كان بإمكانهم من خلال قراءة النص ذاته أن يتبيّنوا أن النقص ذاته مستند إلى الإجماع لا إلى صريح النص. على أننا إذا افترضنا جدلا أن تضعيف نصيب الرجل متصل بإلزامه بالإنفاق على الإناث، فيمكننا القول حينئذ إنه لا حاجة للمرأة إلى المال الموروث البتّة بما أن كل نفقاتها مكفولة من قبل الرجل ومن ثم يكون العدل « المنطقي » أن نعتمد ما كان معمولا به في الجاهلية من عدم توريث النساء أصلا لأنهن في كل الأحوال مكفولات من زوج أو أخ أو أب أو أمة إسلامية. وفي مقابل ذلك فإن المتأمل في واقع المجتمعات المسلمة الحديثة اليوم يجد أن جل النساء ينفقن على أسرهن وتمثل النساء في حالات كثيرة العائل الوحيد للأسرة. بل إن بعض التشريعات الحديثة شأن التشريع التونسي يلزم المرأة بالإنفاق على الأسرة إن كان لها مال دون أن يمنحها في مقابل ذلك المساواة في الميراث.

مقتطفات من كتاب ألفة يوسف، حيرة مسلمة، دار سحر للنشر، 2008، ص. 15 - 35.

 

الهوامش

1- انظر الكتاب التاسع في الميراث في مجلة الأحوال الشخصية التونسية، جمع وتعليق القاضي الأستاذ محمد الحبيب الشريف، سوسة – تونس، دار الميزان للنشر 2004. الكتاب التاسع : في الميراث 

2- أي قوله عز وجل : « ...من بعد وصية يوصى بها أو دين... » (النساء 4/ 12)

3- فخر الدين الرازي : مفاتيح الغيب، بيروت : دار الفكر، 1985، مج5، ج 9، ص. 231-232.

4- السابق، ص. 232.

5- مفاتيح الغيب، مج 5، ج 9، ص. 232.

6- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : جماع البيان في تأويل القرآن، بيروت : دار الكتب العلمية، 1992، ج. 3، ص. 628.

7- أبو بكر بن العربي : أحكام القرآن، مطبعة البابي الحلبي 1968، ج. 1، ص. 429-430.

8- مفاتيح الغيب، مج.5، ج.9، ص. 201.

9- السابق، الصفحة نفسها.

10- السابق، ص. 204.

11- مفاتيح الغيب، مج.6، ج. 11، ص. 47.

 12- مفاتيح الغيب، مج.5، ج.9، ص. 202.

 13- السابق، ص. 204.

 14- مفاتيح الغيب، مج. 12، ج. 24، ص. 32.

 15- السابق، مج. 5، ج. 9، ص. 216.

 16- السابق، صص. 216-217.

 17- السابق، ص. 217.

 18- يثبت الرازي ذلك إذ أنه "على هذا التقدير (التأويل الثاني للحديث) لا يبقى للرسول خاصية" في ذلك، مفاتيح الغيب، مج. 5، ج. 9، ص. 218.

 19- محمد الطاهر ابن عاشور : التحرير والتنوير، تونس : الدار التونسية للنشر 1984، ج. 4، ص. 258.

20- أحكام القرآن، ج. 1، ص. 336.

2 1- التحرير والتنوير، ج. 4، ص. 258.

22- مفاتيح الغيب، مج. 5، ج. 9، ص. 2 12.

23- السابق، ص. 2 13.

24- جماع البيان، ج. 3، ص. 6 18.

25- التحرير والتنوير، ج. 4، ص. 256.

26- مفاتيح الغيب، ج. 9، ص. 201.

27- التحرير والتنوير، ج. 4، ص. 258.

28- أحكام القرآن، ج. 1، ص. 336.

29- التحرير والتنوير، ج. 4، 257.

30-السابق، الصفحة نفسها.

31- مفاتيح الغيب، مج. 5، ج. 9، ص. 213.

32- جامع البيان، ج. 3، ص. 616.

33- السابق، ج. 4، ص. 298.

34- جامع البيان، ج. 3، ص. 617.

35- مفاتيح الغيب، مج. 5، ج. 9، ص.214 .

36- أحكام القرآن، ج. 1، ص. 253 / مفاتيح الغيب، مج. 3، ج. 6، ص. 102.

37- مفاتيح الغيب، مج. 5، ج. 9، ص. 214.

38- مجلة الأحوال الشخصية التونسية، الفصل 23.

 

>> ملف : إصلاح منظومة قانون المواريث من منظور الفكر الإسلامي الحديث

أضف تعليق

Actualiser
+