مجتمع

الرئيسية مجتمع 
الطاهر حداد (1899-1935)

 مفكر إصلاحي تونسي. درس في جامع الزيتونة. زاول الكتابة الصحفية. من أهم أعماله :التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة(1981) ؛ امرأتنا في الشريعة و المجتمع (1930) ؛ العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية (1927).

المساواة بين الجنسين في الإرث، غاية تشريع إسلامي متدرج


 
 
دأب الفقهاء الذين وقفوا عند التعامل الحرفي مع النصوص القرآنية المتصلة بالإرث على اعتماد الخطاب الكلاسيكي حول الفروق الفيزيولوجية والاختلاف في الوظائف البيولوجية (الحمل والولادة) ليبرروا التمييز الاجتماعي والاقتصادي ضد المرأة، وليؤطروا فقهيا ورمزيا آليات إعادة إنتاج اللامساواة بين الجنسين. ضد هذا التقليد السائد، ومن قلب المؤسسة الدينية، ارتفع صوت العالم الزيتوني، الطاهر حداد، مؤسسا لقراءة مقاصدية جديدة بخصوص موضوع الإرث ؛ قراءة تحرر ضمير المؤمن من وصاية فقه متحجر اختار أن يضحي بجوهر النداء القرآني ومقصده الأسمى في إقرار المساواة بين الجنسين، خدمة لتقليد المجتمع وأعرافه.

« إذا عرفنا أن المرأة في الجاهلية ميراث الرجل من أخيه، ينـزل منها مكانه بحق الإرث، وحق لعصابة زوجها الميت أن يزوجوها بأحدهم، أو بمن شاءوا، أو يعضلوها حتى لا تذهب بشيء من مال زوجها فتفوته عليهم، وإن وارث بيت أبيها هم أبناؤه الذكور. وليس لها من الأمر شيء إلا أن يعطفوا عليها بالعيش في كنفهم، إذ تتخلى عن الزواج. إذا عرفنا هذا أدركنا كيف رفع الإسلام مستوى المرأة فأخرجها من حالة هي أشبه بالرق، ومكنها كالرجل من نصيبها المفروض في الميراث مهما قل أو كثر. وبطبيعة الحال قد حررها أن تكون ميراثا للغير كما في الآية : )يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن((سورة النساء، الآية 19)، وفي الآية : )للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا((سورة النساء، الآية 7).

غير أنه إذا كان هذا شديد الوطأة على أخلاق الجاهلية، فقد عدله الإسلام بجعل حظها نصف الرجل كما في الآية : )يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين((سورة النساء، الآية 11)وكذلك ميراث الزوجين من بعضهما، فله منها النصف أو الربع ولها منه الربع أو الثمن كما في الآية : )ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين((سورة النساء، الآية 12).

لكنه قد ساوت المرأة الرجل في أحوال كميراث الأبوين مع وجود الولد في الآية : )ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد((سورة النساء، الآية 11)، وكذلك ميراث الإخوة في الكلالة كما في الآية : )وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار((سورة النساء، الآية 12).

لكنه مهما كان الإسلام حكيما في التدرج بحقوق المرأة حتى لا يبلغ بها الكمال بسرعة مخطرة، فقد كان مع هذا شديد الوقع على المسلمين غير محتمل. ومن ثم نشأت عادة تحبيس الأب ماله على الذكور فقط، ويكون للأنثى حق مؤونتها من ذلك متى كانت في بيت أبيها أو رجعت إليه بعد الزواج. وهو منهم تملص من فريضة الميراث التي فرضها الإسلام للمرأة، واقتضاء لحق الجاهلية التي كانت ترثها فيما ترث من التركة. وهم يعتبرون بناتهم قد خلقن لتعمير بيوت غير بيوتهم، وأبناء الذكور أبناء آبائهم وأبناء الإناث أبناء أناس آخرين، وفي ذلك يقول الشاعر:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا      *        بنونهن أبناء الرجال الأباعد

وهذه النفسية هي التي كانت أساس تمييز الذكور عن الإناث، وأيضا فإن ضعف المرأة جعلهم يقدرون عدم استطاعتها أن تستقل بميراثها من أبيها، وإنما ينتقل ذلك الميراث بواسطتها إلى عائلة زوجها التي تمنعها هي كذلك أن ترجع بشيء من مال زوجها بعده إلى بيت أبيها. وما تزال هذه الاعتبارات معمولا بها إلى اليوم في حرمان الإناث، خصوصا البوادي والقرى، فهي التي استطاعت أن تحافظ أكثر من غيرها على إحساساتها الموروثة. وبدل أن يستعد المسلمون لتقويم المرأة حتى تستعد للقيام بما أعطاها الإسلام من حق فإنهم رجحوا روح الجاهلية الأولى المظلمة على نور الإسلام.

للإسلام عذره إذ قرر حظ المرأة دون حظ الرجل. وبعد النظر في صعوبة ذلك على نفوس العرب ومن شعر بشعورهم من الأمم، فإن للرجل تفوقا ظاهرا عليها في الإنتاج وحمايته وحماية العائلة والمصالح العامة لقبيلته أو شعبه، وحتى في حمايته للمرأة عند نزول الحادثات. ومثل هذه التكاليف يجعله عرضة لأخطار ومصاعب كبيرة كثيرة تأكل من ماله ولحمه ودمه. فإذا قدر له نصيبا أوفر في الميراث تعويضا له عما يهلك منه، فليس ذلك مما يصعب احتماله على العدالة، خصوصا وقد قرر الإسلام كفالة المرأة سواء في بيت أبيها أو زوجها بالإنفاق عليها، وهو ما نص عليه القرآن : )الرجال قوامون على النساء((سورة النساء، الآية 34) ولعل هذا ما يرجع إليه معنى الدرجة التي للرجال على النساء في الآية : )وللرجال عليهن درجة((سورة البقرة، الآية 228).

وبعد ذلك فالإسلام لم يقرر نزول ميراث المرأة عن الرجل كأصل من أصوله التي لا يتخطاها، فقد سواها به في مسائل كميراث الأبوين مع وجود الولد في الآية السالفة، وميراث الإخوة في الكلالة المنصوص عليه في الآية السالفة أيضا، بل قد ذهب معها أكثر من ذلك فجعل حظها أوفر منه في وجه من مسألة ميراث الأبوين مع فقد الولد عكس الصورة الأولى كما في الآية : )فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث((سورة النساء، الآية 11) فعلى ظاهر الآية وكما يقول ابن عباس أن الثلث الذي لها من أصل التركة. فإذا كان من الوارثين زوج يستحق النصف من امرأته الهالك فلم يبق للأب إلا الأقل من نصيب الأم، وهما من درجة واحدة في القرب. وبهذا المسلك أخرس كل نطق عن اعتبار نقص ميراث المرأة قد نشأ عن أنوثتها.

في الحقيقة إن الإسلام لم يعطنا حكما جازما عن جوهر المرأة في ذاتها. ذلك الحكم الذي لا يمكن أن يتناوله الزمن وأطواره بالتغيير، وليس في نصوصه ما هو صريح في هذا المعنى. إنما الذي يوجد أنه أبان عن ضعف المرأة وتأخرها في الحياة تقريرا للحال الواقعة، ففرض كفالتها على الرجال مع أحكام أخرى بنيت على هذا الاعتبار. وقد علل الفقهاء نقص ميراثها عن الرجل بكفالته لها، ولا شيء يجعلنا نعتقد خلود هذه الحالة دون تغيير، على أننا نجد الإسلام نفسه قد تجاوز هذه الحالة التي وجدها أمامه في كثير من أحكامه اعتبارا بضرورة تبدلها مع الزمن، فقرر للمرأة حريتها المدنية في وجوه الاكتساب وتنمية المال بالتجارة وغيرها من التصرفات، وحقق لها وصف الذمة فتُعَامِلُ وتُعامَلُ مما يدفعها إلى أعمال لم تعهدها. وليس فيها في ذلك العصر من إمارات الاستعداد لها ما يطمئن على نجاحها.

لكن امرأة اليوم بتأثير روح العصر في تربيتها وتعليمها قد أخذت تكافح الحياة بجد في عامة ميادينها : في الأعمال الصناعية والزراعية والتجارية، فتشتغل في معامل الحديد والنار، وفي حفر المناجم في بطون الأرض، وفي المغامرات الإنسانية كشق المحيط بالطيران في أعاصير الجو، وفي الأعمال الحرة كالطب والمحاماة، وفي الأدب الذي لها فيه صورة واضحة من روحها ونبوغها، وفي الصحافة والتأليف، وفي المقامات السياسية العالية، وفي تأسيس النوادي والجمعيات النسائية في أغراض مختلفة مستقصية في ذلك خطوات الرجل. ولقد نالت من ذلك نصيبا وافرا وما تزال تدأب لتنال حتى المساواة التامة مع الرجل في الدولة والمجتمع. وهي من أجل ذلك تستعد اليوم لأداء واجب الدم « الجندية »، وقد أخذ كثير من دول أوروبا في تجربتها، فوضعتها في دائرة البوليس للحراسة والإدارة بما حقق لها النجاح، وزادها قوة في استفراغ الجهد لبلوغ أمانيها.

إن هذا الاتجاه الذي قطعت فيه المرأة أشواطا بعيدة عن ماضيها الخامل جد البعد، قد جعل الطريق واضحة أمامها في تحقيق استقلالها عن الرجل في تحصيل عيشها، وفي تحقيق التعاون معه بالإنفاق على ما يلزمها من شؤون مشتركة، وهذا الاتجاه البارز في حياتها أنصع برهان على أن ما كان لها في الماضي لم يكن ناشئا عن جوهر خلقتها، وإنما كان فصلا من فصول حياتها الطويلة، وليس غريبا أن يهيئها الزمن للوقوف مع الرجل على قدم المساواة في تحمل أعباء الحياة وأخطارها، ويوكل أمر النشء من الجيل إلى عهدة رياض الأطفال التي تنمو حتى تتسع لجميعهم ؛ وعندها يستويان في الانتفاع بمزايا الحياة وقوانينها. وفيما أرى أن الإسلام في جوهره لا يمانع في تقرير هذه المساواة من كامل وجوهها متى انتهت أسباب التفوق وتوفرت الوسائل الموجبة ».

مقتطفات من كتابالطاهر حداد: إمرأتنا في الشريعة والمجتمع، سوسة : دار المعارف للطباعة، 1992، ص. 27-32.

>> ملف : إصلاح منظومة قانون المواريث من منظور الفكر الإسلامي الحديث

أضف تعليق

Actualiser
+