مجتمع

الرئيسية مجتمع 
زهية جويرو

باحثة تونسية، أستاذة بكلية الآداب والفنون والإنسانيات، منوبة، تونس. من منشوراتها :الوأد الجديد : مقالات في الفتوى وفقه النساء (2014)؛ مؤسسة الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التاريخ (2014) ؛ الإسلام الشعبي (2007).

نظام مواريث النساء باعتباره بناء تأويليا


 
 
يتشبت الرافضون لإقرار مبدأ المساواة في الميراث بين الذكور والإناث بتعليل يعتبر أن الأحكام الشرعية المنظمة له تستند إلى نصوص قرآنية ثابتة وقطعية الدلالة، ولا مجال فيها للاجتهاد. وفي هذه الدراسة تقوم الأستاذة زهية جويرو بتسليط الضوء على بعض من المسلمات التي قام عليها هذا التعليل. كما توضح كيف حالت هيمنة البناءات الفقهية دون الاجتهاد وتعديل تلك المسلمات. وذلك بلجوء الفقهاء، وفق منهجية تقليدية استقرت منذ قرون، إلى تقنية عزل نصوص الأحكام عن سياقاتها النصية والتاريخية، وعلى تثبيت استنباطاتهم منها، وما اعتمد انطلاقا من مصادر بشرية-وضعية، بعد إضفاء القداسة على ما هو اجتهاد بشري فيها.

الغاية من مثل هذا التحليل هو إعادة النظر في المنهجية الفقهية التقليدية ومسلماتها بوضع أحكام المواريث في إطارها من المنظومة الاجتماعية لتتبين نسبية الكثير مما عد منها قطعيا، ولتتضح تاريخية ما اعتبر مطلقا وصالحا لكل زمان ومكان، ثم إعادة قراءة النصوص وتأويلها بناء على معارف العصر ومناهجه.

أحكام مواريث النساء في إطار المنظومة الاجتماعية

من البديهي ألا يكون نظام المواريث مفصولا عن نظام توزيع الأموال عامة ولا عن طبيعة النظام الاقتصادي-الاجتماعي السائد في شبه الجزيرة العربية زمن نزول الوحي. لذلك لا يجوز في نظرنا الاحتفاظ من نظام المواريث في الإسلام بمبدأ نزول نصيب النساء عن نصيب الرجال مفصولا عن سائر المبادئ المنظمة لتوزيع الأموال وكأن الإسلام قرره أصلا من أصوله التي لا تقبل التغيير والتبديل، شأنه في ذلك شأن أصول العقيدة.

من المرجح إذا نزلنا الأحكام التي قررت للنساء نصيبا من الميراث، بقطع النظر عن مقداره، في إطار المجتمع الذي توجهت إليه ببناه المادية والذهنية، أن نتبين مقصدا واضحا من مقاصد الإسلام في هذا الشأن وهو تقرير نصيب مفروض من المال الموروث لفائدة النساء على أن يكون معلوما ومعينا بدقة ومحفوظا بقوة الشرع السماوي بعد أن ظل الاختيار بشأن إقرار توريث النساء من عدمه، موكولا على ما يبدو إلى الرجال خلال فترة الجاهلية وبداية الإسلام. ففي سياق نظرة تمجيدية للإسلام تقوم على اعتباره سبب كل التحولات الإيجابية التي شهدها العرب في تلك الفترة من تاريخهم، أشاعت المصادر الإسلامية فكرة أن النساء كنّ، قبل نزول آيات المواريث، محرومات تماما من الميراث، وأنهن كن في بعض الحالات من « الأموال » التي تورث، على غرار الحالة المعروفة قبل الإسلام « بنكاح المقت »، وبها عللوا نزول الآية : « يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها» (النساء 4/19) إذ قال المفسرون بشأنها : « كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو أحد قرابته من عصبته فألقى ثوبه عليها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا، وإن شاء عضلها وضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت أو تموت هي فيرثها »1. كما بررت كتب أسباب النزول وكتب التفسير نزول آيات الفرائض (النساء 4/11-12-176) بما كان سائدا في شبه الجزيرة العربية من أعراف قضت بأن لا ترث النساء نصيبا من أموال الآباء والأزواج. فقد أوردت أن « أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا (...) ويقولون لا يُعْطَى إلا من قاتل على ظهور الخيل وحاز الغنيمة »2.

ولكن عندما نعرض هذه الأقوال على بعض ما يتوفر في أصناف أخرى من المصادر من معلومات تتصل بنفس الموضوع يحصل لدينا شك في موضوعيتها يحملنا على افتراض وجود اختلاف يبدو محكوما بعوامل عمرانية. ففي إطار المجتمعات الحضرية، على غرار مجتمعي مكة ويثرب-المدينة، أضحى الاقتصاد السائد اقتصاد تجارة تراكمت بفعله الأموال حتى أحدثت تغيرات في التنظيم الاجتماعي، من تجلياته بداية بروز نواة العائلة المصغرة في صلب نظامي القبيلة والعشيرة وببروزها بدأ نظام توريث الأموال يتغير، يتجلى ذلك مثلا في تخصيص الأبناء بالأموال الموروثة دون سائر الأقارب. ويبدو أن أهل مكة قد عرفوا نظام تقسيم الأموال بين الأبناء على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين، إذ يذكر ابن حبيب أن أول من فعل ذلك من أهل قريش هو ذو المجاسد اليشكري3. كما يتجلى ذلك في بروز عدد من النساء كن ذوات أموال وثروات استثمرنها في التجارة، ولعل أقرب مثال إلى الأذهان تجسده خديجة بنت خويلد أولى زوجات الرسول : هذا إضافة إلى ما ذكر أعلاه حول نساء المدينة، إذ أن الواحدة منهن إذا مات عنها زوجها ورثت منه نصيبا من المال، لذلك كانت إذا نكحت « نكاح مقت » « تفتدي نفسها بما ورثت من الميت ».

أما حرمان النساء من الميراث بحجة أن المال لا يعطى « إلا من قاتل على ظهور الخيل وحاز الغنيمة » فيبدو وضعا مخصوصا بمجموعات البدو والأعراب حيث يسود اقتصاد الغزو، لذلك لم تكن النساء وحدهن من يحرم من المال بل كان هذا الحرمان يشمل كل من « لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكى عدوا »4.

ومن الواضح أن هذا الوضع لم يعد مقبولا من النساء بعد مجيء الإسلام، وهن اللاتي كن يأملن أن يغير اعتناقهن الدين الجديد وضعهن وأن يخلصهن مما كان مسلطا عليهن من ضيم. ويظهر هذا الرفض من خلال احتجاجاتهن المتكررة لدى الرسول ضد أقارب أزواجهن بعد أن استولوا على تركة هؤلاء من أموال. وقد أجمعت كتب أسباب النزول وكتب التفسير على أن هذه الاحتجاجات هي السبب المباشر في نزول آيات المواريث.

فالآية « للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون » (النساء 4/7) نزلت إثر شكوى زوجة أوس بن ثابت الأنصاري إلى الرسول بسبب استيلاء ابني عمه على كل ماله « فلم يعطيا امرأته شيئا ولا بناته » وقد احتجت المرأة لأن الزوج المتوفى ترك « مالا حسنا بينما هي لم تعد تملك ما تنفقه على بناته ولا على نفسها بعد أن استولى ابنا عمه على تركته كاملة وامتنعا عن الإنفاق على المرأة وبناتها »5. أما آيات النساء 4/12-11 : « يوصيكم الله في أولادكم ... » فإنهما أنزلتا إثر احتجاج زوجة ثابت بن قيس وكان من الصحابة وتوفي وهو مع الرسول يوم أحد وترك « بنتين ومالا حسنا » استولى عليه عمهما « فلم يدع لهما مالا إلا أخذه... » والحال أنهما « ما ينكحان أبدا إلا ولهما مال. »6.

من الواضح إذن أن النظام السائد في المواريث قد أثار حفيظة النساء ودفعهن إلى الاحتجاج ضده وقد ظل يعمل بنفس هذا النظام فترة بعد ظهور الإسلام. لذلك طالبت النساء بحقهن في أن يكون لهن نصيب من أموال الآباء والأزواج، فجاءت آيات الميراث لتقرر لهن نصيبا على أن يلتزم به جميع المسلمين بدوا وحضرا. ورغم أن ما قرره الوحي من أنصبة لم يشكل قطيعة تامة مع ما كان معمولا به خاصة في البيئات الحضرية، فإن الرجال قابلوا تلك الآيات بالاحتجاج هم الآخرون. فقد ذكر الطبري عن عبد الله بن كثير أنه سمع سعيدا بن جبير قال : « لما نـزلت آية المواريث في سورة النساء، شق ذلك على الناس وقالوا : يرث الصغير الذي لا يعمل في المال ولا يقوم فيه، والمرأة التي هي كذلك. فيرثان كما يرث الرجل الذي يعمل في المال. فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء... »7.

والواضح إذا أن الإسلام قد عمل على إحداث نقلة في نظام توزيع الأموال الموروثة تصبح بمقتضاه المرأة فردا ذا نصيب مقدر ومفروض، وبدا أن المسلمين لم يكونوا قد تهيؤوا ذهنيا لتقبل هذه النقلة وللتقيد بأحكامها، كما بدا أن الظروف الموضوعية اقتصاديا واجتماعيا لم تتحول التحول المناسب لتكريس تلك الأحكام واقعا عينيا. لذلك فإن ما حصل تاريخيا هو أن المجتمع الذكوري، وبواسطة المؤسسة الفقهية التي هي مؤسسة رجالية، قد عمل على التصرف في تلك الأحكام بهدف استنباط الحلول التي انتظر نزولها من السماء ولم تنزل والتي تمكنه في الآن ذاته من التقيد « بواجب ما منه بد »8 ومن إيجاد مخارج « شرعية » تجنب التقيد الحرفي بتلك الأحكام.

في المقابل، ظلت النساء، ومنذ فترة الوحي وفي حياة الرسول، يعبرن عن شعور بعدم الرضا عما تم إقراره لهن من أنصبة. ومن الواضح أن عدم رضا الطرفين نساء ورجالا قد أحدث مشاحنات بينهم اقتضت تدخلا إلهيا لوضع حد لها عبر تنزيل الآية : « ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض » (النساء الآية 4). فقد ذكر في سبب نزولها أن النساء احتججن على لسان « أم سلمة » ضد حرمانهن من الغزو ومما يترتب عليه من أجر، قد يكون ماديا-دنيويا، الغنيمة، أو أخرويا بوصفه جهادا في سبيل الله، وضد اقتصار نصيبهن من الميراث على نصف نصيب الرجال والحال أن الرجال قد خصوا وحدهم بالغزو، فقالت للرسول : « يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث »9 وقد طالبن الرسول فعلا بأن يسمح لهن بالغزو « فقلن : وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الأجر ما أصاب الرجال »10 وواضح أن مطلب المساواة في ما جره الإسلام لفائدة المسلمين من منافع وحتى في ما ألزمهم به من مسؤوليات من أقدم المطالب التي توجهت بها النساء إلى الرسول نفسه وكان هذا المطلب مقترنا بالاحتجاج على ما رأين فيه تمييزا ضدهن. لذلك نشأت بينهن وبين الرجال مشاحنات إثر نزول « للذكر مثل حظ الأنثيين ». ففي خطاب اعتدادي واضح قال الرجال : « إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء » وكأن الرجال لم يكتفوا بما فضلوا به على النساء في الدنيا فطلبوا أن يشملهم التفضيل في الآخرة، وردت النساء : « إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا »11 معبرات بذلك عن طموح في أن يحظين في الآخرة بإنصاف حرمن منه في الدنيا عندما جعل نصيبهن في الميراث نصف نصيب الرجل، وجعلت شهادة امرأتين برجل، وبهذا المطلب تحديدا توجهت إحداهن إلى الرسول : « يا نبي الله للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا ؟ إن عملت امرأة حسنة كتب لها نصف حسنة ؟ »12.

ولكن المؤسسة الفقهية قد واجهت احتجاجات النساء على التمييز ضدهن باستنباط أحكام عديدة أمعنت في تكريس ذلك التمييز، وعطل بعضها العمل حتى بما ورد في القرآن رغم أنه لم يكن قد استجاب استجابة كاملة لما كانت النساء تطمح إليه من إنصاف، ومن هذه الأحكام :

- فرض ولاية الأب على ابنته البكر ولايةً مُطلقةً تخول له أن يتصرف في مالها تصرفه في ماله، وفرض اقتصار المتزوجة على التصرف في الثلث من مالها فقط، مع اشتراط « العلم بصلاحها ». وهو ما يعني إجرائيا حرمان البنت من حق التصرف في مالها وحرمان الزوجة من حرية التصرف في كل مالها وفسح المجال أمام الأب للتصرف في كل المال، وإباحة تصرف الزوج في كل مال الزوجة بدعوى عدم صلاحها. وهو ما يعني عمليا إفراغ الحكم القرآني الذي ينص على حق المرأة في التصرف في مالها من كل مضمون إجرائي لتظل تحت وصاية الرجل أبا كان أو زوجا.

- إباحة تحبيس الأموال على الولد وإخراج البنات منه : من الواضح اعتمادا على عدد من المصادر، أن هذا الحل قد طبق منذ فترة الصحابة. فقد ذكر « ابن وهب أن عثمان والزبير وطلحة حبسوا دورهم » وروى ابن القاسم عن سعيد بن عبد الرحمان عن هشام بن عروة أن الزبير بن العوام قال في صدقته على بنيه لا تباع ولا توّرث وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضارّا بها »13 ووردت في نفس المصدر رواية عن شهادة عائشة بأن « المسلمين قد احتالوا لإخراج البنات من الميراث » كما وردت شهادة عن عزم الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز على إبطال ذلك ورد الأحباس لكنه مات قبل أن يفعل. وبذلك مثلت هذه الممارسات المنسوبة إلى الصحابة والتابعين في نظر الفقهاء أدلة شرعية خولت لهم إباحة تحبيس الأموال على الذكور دون الإناث وهبتها إليهم والتصدق بها عليهم، فثبت هذا الحكم عبر التاريخ وبه تم العدول عن التقيد بالأحكام القرآنية الخاصة بمواريث النساء واستبدالها بما استقر قبل الإسلام من عادات وأعراف ذات مصادر متنوعة، من بينها مثلا العرف ذو الأصل اليهودي الذي ينص على اعتبار الميراث حقا للذكر دون الأنثى، بينما لا حق لها على الذكر إلا الإنفاق، وهو العرف نفسه الذي ارتضاه الزبير بن العوام مثلا، وظل سائدا في ممارسات المسلمين على مدى قرون طويلة حرمت خلالها النساء حتى من النصيب المفروض لهن بصريح العبارة القرآنية رغم أنه لم يكن قد حظي إبان نـزوله برضا النساء.

إن تسرب هذه العادات والأعراف إلى داخل منظومة التشريع الإسلامي وانتصارها على منطوق الأحكام القرآنية دليل على أن المنظومة التاريخية، المادية والذهنية، لم تكن زمن نزول الوحي خلال فترة الإسلام المبكر قد تهيأت بعد لتقبل التحويرات التي أدخلها الوحي على نظام توزيع الأموال السائد، رغم محدودية تلك التحويرات وانحصار فاعليتها على ما يبدو في البيئات البدوية. ففي إطار نظام اجتماعي قائم على المراتبية والتمييز تحددت فيه حقوق الفئات والأفراد وفقا لمراتبهم الاجتماعية أو جنسهم، لم يكن بالإمكان تقبل ما قد يحدث فوضى في نظام المراتب ذاك حتى ولو كان من مصدر إلهي. لذلك تبدو تلك العادات والأعراف المعمول بها في تنظيم توزيع الأموال منسجمة مع طبيعة التنظيم الاجتماعي، لها ما يبررها ماديا وذهنيا. فالتمايز بين الرجال والنساء مثلا متأسس على نظام اقتصادي يقوم منه نظام الغزو والغنيمة مقام المحور، لذلك لم يكن متاحا في إطار هذا النظام التفكير في تمكين من لا يشارك في تحصيل الغنيمة من نصيب منها، كما لم يكن بالإمكان في إطار نظام اجتماعي قائم على القبيلة وعلى العصبية القبلية أن يتم إرساء نظام في توزيع الأموال قائم على مفهوم الشخص أو العائلة المصغرة، ذلك أنهما موكولان في معاشهما وأمنهما إلى القبيلة كاملة وإلى ما تقوم عليه العلاقات في نطاقها من تضامن أساسه العصبية. أما على الصعيد الذهني، فإن التصورات السائدة كانت تقضي بأفضلية الذكر على الأنثى بداهة وبتقديمه عليها، لذلك ظلت المرأة ومالها تحت وصاية.

أحكام مواريث النساء بين الوحي والتاريخ

سبقت الإشارة إلى أن أغلب ما أنزل من الآيات بشأن الميراث إنما جاء أجوبة مباشرة على أسئلة طرحتها على الرسول النساء خاصة وحلولا لوضعيات محددة عرضنها عليه. فاشتركت تلك الآيات في الدلالة على أن النساء هن اللاتي بادرن بالمطالبة بإنصافهن مما كن يتعرضن إليه من ضيم نتيجة استيلاء الأقارب من الرجال على تركات أزواجهن. فسواء كانت المشتكية زوجة أوس بن ثابت الأنصاري أو زوجة ثابت بن قيس، وسواء كان المشْتَكَى منهم ابني عم الزوج أو عمه فموضوع الشكوى واحد وهو انفراد هؤلاء بما تركه الأزواج من « مال حسن » وحرمان الزوجات والبنات وحتى الأبناء من الأطفال الصغار بدعوى أن « أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا وإنما يورثون الرجال الكبار ».14 فكان أن أنزلت آيات المواريث لتقر من جهة مبدأ التسوية بين الرجال والنساء في الحصول على نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ولتحدد من جهة ثانية أنصبة تحددت على أساس الانسجام مع طبيعة النظام العائلي والاجتماعي السائدين، دون أن يكون المقصد في تحديدها ضبط نظام صارم ومتكامل وقادر على الإحاطة بكل الوضعيات الممكنة، دليلنا على ذلك محدودية هذه الآيات من جهة، وسكوتها عن وضعيات مشكلة كثيرة من جهة أخرى، لم تلبث أن طرحت نفسها على المسلمين منذ وقت مبكر وهو ما فتح المجال واسعا أمام التدخل البشري بواسطة التفسير والاستنباط حتى نشأ تبعا لذلك فرع واسع من فروع الفقه هو المعروف بعلم الفرائض.

والملاحظ بكل يسر من خلال المقارنة بين الأحكام العامة والمحدودة المنصوص عليها في آيات المواريث والكم الهائل من الأحكام الفقهية المفصلة الواردة في باب الفرائض أنه بقدر ما اقتصر النص على ضبط بعض الأنصبة الراجعة إلى الورثة من الفروع والأصول المباشرين وعلى بسط حلول لوضعيات مخصوصة ترمي إلى إنصاف النساء خاصة من الضيم الذي سلطته عليهن أعراف سائدة، اتسعت الأحكام الفقهية بواسطة الأقيسة وسائر آليات الاستنباط وتصرفت في النص، لتوسع بذلك المستفيدين من التركة مستندة إلى مفهوم العصبة، وهو مفهوم حددته نظم القرابة التي كانت تحكم المجتمع آنذاك بقدر ما وجهه نظام العصبية الذي يؤسسه وطبيعة المجتمع الذكوري القائم على التمييز التفاضلي بين الذكور والإناث.

فالعصبة في المفهوم الفقهي هم « قرابة الرجل لأبيه » بما يعني آليا إقصاء القرابة بواسطة الأم على أساس أن « الأنثى لا تعصب بنفسها »15 وقد استدل الفقهاء في حصر العصبة في قرابة الرجل من الذكور دون الإناث بحديث منسوب إلى الرسول رواه البخاري : « ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولي رجل ذكر »16 فشمل بذلك التعصيب من جهة البنوة أبناء الميت ثم أبناءهم ومن جهة الأبوة أب الميت ثم جده الصحيح، أي والد الأب دون الجد للأم، كما شمل من جهة الأخوة الأخ الشقيق ثم الأخ لأب ثم ابن الأخ الشقيق ثم ابن الأخ لأب مهما نزل، أما الأخوة للأم فإنهم لا يكونون عصبة لأنهم يدبون بالأم، والأنثى كما أسلفنا لا تكون عصبة بنفسها في أي حال من الأحوال.

وهذا ما يعني ضرورة أن الأنثى من القرابة حتى ترث يجب أن تكون عصبة بالغير، فلا ترث البنات إلا مع الأبناء ولا ترث بنات الابن إلا مع ابن الابن ولا ترث الأخوات الشقيقات إلا مع الإخوة الأشقاء وكذلك الشأن بالنسبة إلى الأخوات لأب، فإنهن لا يرثن إلا مع إخوة لأب، وفي حال انعدام العاصب الذكر فإن نصيب الأنثى يحجب. وفضلا عن ذلك وضع الفقهاء شروطا أخرى حتى تتحقق العصبة بالغير ويحق للأنثى أن ترث منها أن تكون الأنثى صاحبة فرض، فإن لم تكن كذلك لا تصير عصبة بالغير وأن يكون الذكر المعصب في درجتها فلا تعصب الابن مثلا بنت الابن لأنهما ليسا في نفس درجة القرابة بل هو يحجبها وأن يكون كذلك في قوة الأنثى صاحبة الفرض فلا تعصب الأخ لأب مثلا الأخت الشقيقة وهكذا أدت هذه الشروط إلى تقليص دائرة الإناث المستفيدات من الميراث بحجب أنصبتهن في حال انعدامها. يقول أحد الفقهاء : « يمنعونهن الفرض ويقتسمون ما ورثوا للذكر مثل حظ الأنثيين، وهم الابن وابن الابن وإن نزل والأخ من الأبوين والأخ من الأب وسائر العصبات، ينفرد الذكور بالميراث دون الإناث وهم بنو الأخ والأعمام وبنوهم وذلك لقوله تعالى : « يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين » فهذه الآية تناولت الأولاد وأولاد الابن، وقال تعالى « فإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين » فتناولت ولد الأبوين وولد الأب، فلو فرض للنساء أفضى إلى تفضيل الأنثى على الذكر أو مساواتها إياه أو إسقاطه بالكلية، فكانت المقاسمة أعدل وأولى وسائر العصبات ليس أخواتهم من أهل الميراث فإنهن لسن بذوات فرض ولا يرثن منفردات فلا يرثن مع إخوتهن شيئا »17.

لقد أوردنا هذا الشاهد على طوله لأنه دال بوضوح على أن التصرف البشري في الأحكام القرآنية قد بلغ حد التناقض تماما مع صريح عبارته، وأدى إلى حجب الفرائض المتعلقة بالنساء لصالح العصبة من الذكور، ذلك أن ضغط الواقع وإكراهاته كان أقوى من ضغط النص رغم طبيعته الإلهية. ففي إطار مجتمع ذكوري قائم على نظام العصبية يصير من المشروع في المسكوت عنه لدى الفقهاء حجب الفرض المقرر نصا لفائدة الأقارب من النساء لصالح أنصبة مخصوصة للذكور تم استخراجها بواسطة أساليب الاستنباط والتأويل البشرية وتثبيتها حتى غدت هي الأحكام المعمول بها فعلا في الواقع. وهو ما يدعونا إلى التساؤل إذا كان الواقع وحقائقه التاريخية قد اقتضيا ذلك التصرف في النص القرآني وشرعاه فكيف لا يقتضيانه في عصرنا وقد شهدت نظم المجتمعات الإسلامية تحولات عميقة بات معها من اللامعقول واللاتاريخي مواصلة التشبت بأحكام أكثرها بشري ؟ وبأي حق نستأنف إرهاق النساء بأحكام جائرة تتناقض مع قيم عصرنا ومبادئه ومع حركة التاريخ والمجتمعات بقدر ما تتناقض مع القيم والمقاصد الكبرى التي تمثل جوهر الرسالة السماوية ؟

من الوضعيات الأخرى الدالة كذلك على أن النص القرآني لم يكن يرمي إلى تقرير نظام صارم وشامل في المواريث لا يمكن تجاوزه، الوضعية التي اصطلح الفقهاء على تسميتها « بعول الفرائض » وهي وضعية تنشأ عن زيادة الفروض على المال الموروث، من ذلك مثلا وضعية الرجل يموت ويخلف زوجة وبنتين وأبا وأما، فيكون نصيب البنتين الثلثين (2/3=16/24) ونصيب الزوجة الثمن (1/8=3/24) ونصيب الأب السدس (1/6=4/24) ونصيب الأم السدس (1/6=4/24) وهذا ما يعطي مجموع 27/24، فيكون مجموع الفرائض أكبر من مجموع المال الموروث. ومما تنقله المصادر أن هذه الوضعية لم تطرأ إلا في زمن عمر بن الخطاب، فأشار عليه العباس بن عبد المطلب بأن « يدخل الضرر على جميعهم وينقص كل واحد من سهمه بقدر ما ينقص من السهام » وهو ما يعني عمليا في مثل الحال المذكورة أعلاه توزيع المال على 27 سهما. يكون للبنتين منها 16 وللزوجة 3 وللأب 4 وللأم كذلك 4، ولكن ابن عباس خالفه وقال « لو أن عمرا نظر من قدمه الكتاب فقدمه ومن أخره فأخره ما عالت فريضة، فقيل له : كيف يصنع ؟. قال (...) كل فريضة لم يهبطها الله عز وجل عن موجبها إلا إلى فريضة أخرى فهي ما قدم الله وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخر الله (...) والمتأخر مثل الأخوات والبنات »18 ويعني هذا القول عمليا أن الفرائض القابلة للتنقيص في حال العول هي فرائض النساء من الورثة لأنها هي التي أخر الله. ومن الواضح أن هذا التأويل هو الذي ساد تاريخيا في الواقع لأن أقل السهام مقدارا وقيمة هي التي تعطى للنساء، خاصة إذا تعلق الأمر بالمال غير المنقول.

لقد أوردنا هذه الأمثلة من الإشكاليات التي يثيرها التمسك الحرفي بمنطوق الآيات القرآنية معزولة عن سياقاتها المتنوعة، النصية والتاريخية، ومن الحلول التي ارتأتها المؤسسة الفقهية، حتى نتبين بعض الحقائق التي مازالت نفس هذه المؤسسة تحرص على تغييبها عن أذهان عامة المسلمين تمسكا منها بسلطانها ودفاعا عن مبررات وجودها ومنها خاصة أن المقصد التشريعي المحض ثانوي جدا في القرآن و إلا لكان ضبط منظومة متكاملة من الأحكام الدقيقة والصارمة والقابلة للإحاطة بكل الظروف والوضعيات، وأن الأحكام الواردة فيه، وإن بدت في الظاهر دقيقة شكليا على غرار أحكام الفرائض، فإنها لم تكن في الحقيقة تتجاوز حدود الإجابة على أسئلة مخصوصة طرحت في لحظتها تلك على الرسول، وتقديم حلول لوضعيات طارئة ومعينة وغير قابلة للتوسع حتى تشمل كل الأوضاع في مطلق الزمان والمكان كما يدعي وعي فقهي مازال، بفضل ما تسلح به من وسائل تأثير، يبسط هيمنته على الذهنية الإسلامية العامة إلى اليوم.

أما الحلول التي ارتآها الفقهاء فهي ناطقة بذاتها بأنها حلول بشرية تاريخية موسومة بظروف عصرها وموجهة بإكراهات لحظتها ورهانات نظمها الاجتماعية، وهي بحكم طبيعتها هذه غير ملزمة في مطلق الأحوال. فبأي منطق يتشبت المتصرفون الصغار في المقدس من المفتين والشيوخ بإرهاق الضمير الإسلامي بواجبات وحدود نشأت في ظل مجتمعات يفترض أن تكون مختلفة بنيويا عن مجتمعاتنا المعاصرة ؟ أليس في ذلك دليل على أن هذه المجتمعات مازالت، رغم كل ما شهدته من تحولات، تتشبت بنظام ذكوري تدعمه مؤسسة دينية تقليدية يقوم على أشكال عديدة من التمييز العنيف المسلط ضد النساء ؟

النص بين التخيير والإلزام

ميز علماء أصول الفقه في مقدماتهم اللغوية بين صيغ في الأحكام تفيد الندب والتخيير وصيغ تفيد الوجوب والإلزام، وعلى أساس ذلك ميزوا بين حدود خمسة في الأحكام هي الحضر والوجوب والإباحة والندب والتخيير. واعتبروا أن من الصيغ الدالة على الوجوب صيغة )كتب عليكم(بينما تفيد صيغة )أوصي(ومشتقاتها الندب أو الإباحة أو التخيير بحسب المقام. وبناء على هذه المقدمات كان يفترض منطقيا أن يعتبر الحكم الوارد في نص الآية )كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين((البقرة 2/180) حكما إلزاميا ينص على وجوب الوصية للوالدين والأقربين. كما كان يفترض، بناء على نفس المقدمات، أن يعتبر الحكم الوارد في نص الآية )يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين((النساء 4/11) حكم إباحة وتخيير. ولكن التأويلات التي رجحها الفقهاء واستقرت مختلفة تماما بل ومتناقضة مع تلك المقدمات اللغوية ومع نتائجها المنطقية. فقد رأينا كيف تم التصرف في حكم الوصية، فأدرجت ضمن حد الندب والتخيير وحصر مقدارها في الثلث من المال الموروث لا غير، وانحصر المستفيدون منها في غير ذوي الفرائض.

أما فيما يتعلق بآيتي سورة النساء، فإن أحكامهما عدت ملزمة وثبتت إلزاميتها عبر تخصيصها بفرع قائم بذاته من فروع العلم هو « علم الفرائض » وعبر ما أسبغ عليه من أهمية جعلته في نظر الفقهاء « ثلث العلم »19 حتى نسبت إلى الرسول أحاديث في هذا المعنى « إن الفرائض ثلث العلم وإنها أول ما ينسى »20

إن اختلاف العلامات اللغوية في النص القرآني وفي آيات الأحكام منه تحديدا لا يمكن أن يكون اعتباطيا، فالانتقال من صيغة إلى أخرى مؤشر على انتقال في مستوى الدلالة يجعل الأحكام في أكثر الحالات أقرب إلى الإرشاد والنصح منها إلى الإلزام والتقنين المحض. ولعل هذا ما يفسر في نظرنا جانبا من التفاوت الكبير بين الفقهاء في تقدير عدد آيات الأحكام. فلماذا اعتبرت التوصية في الأولاد بتقسيم المال بينهم على قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين من القواعد الحكمية الملزمة التي أسس عليها الفقهاء وفرعوا عنها مجمل أحكام المواريث ؟ ثم ألا تكون صيغ التوصية والإرشاد تلك علامة على أن الله شاء أن يفتح أمام البشر إمكانية التصرف والاجتهاد في الأحكام بما يناسب أوضاعهم وينسجم مع مقاصده الكبرى الرامية إلى تحقيق العدل ؟

التأويل بين الفصل والوصل

إن المرجع الأساسي الذي ظل يعتمد لتبرير اللامساواة في الميراث بين النساء والرجال هو العبارة القرآنية )للذكر مثل حظ الأنثيين(. وتبدو نقطة الضعف الأساسية في المنظومة الفقهية التي كرست هذا الفهم وما زالت تكرسه واقعا ثابتا غير قابل للزحزحة هي أخذ هذه العبارة منفصلة عن السياق العام، النصي والتاريخي، الذي تتنـزل فيه.

أما السياق التاريخي فهو سياق لم تكن المساواة فيه من المفاهيم التي يمكن التفكير فيها أصلا ولا من النظم القابلة للتحقق بحكم سيادة نظام أبوي-ذكوري قائم على المراتبية التفاضلية. ونضيف إلى ذلك أن النص الديني نفسه يمثل أحد مستويات هذا السياق، فالإسلام ليس مجرد رسالة سماوية مفصولة عن المؤمنين بها وعن واقعهم، بل هو خاصة ممارسة تاريخية أثرت في ذلك الواقع وتأثرت به، وهذه الرسالة وإن أقرت بضرب من المساواة الروحية بين المسلمين فيما يتصل بالوضع إزاء الخالق وبالمصير الأخروي، فإنها عندما تنزلت في الواقع وتشكلت تاريخيا، اتسمت، شأنها في ذلك شأن سائر الأديان السماوية، بطبيعة المجتمعات، فدعم الدين نظامها الذكوري وثبت أفضلية الرجال على النساء في مواقع عديدة وشرع ضروبا من التمييز العنيف المسلط ضدهن، ولا يزال هذا التمييز قائما إلى اليوم ومشرعا باسم الدين، ومن تجلياته التمييز في الميراث، رغم ما يلاحظ من اختلافات بنيوية عميقة بين مجتمعات الماضي والمجتمعات المعاصرة، حيث أصبحت المساواة بمختلف أبعادها واقعا متحققا إلى حد كبير في النظم الديمقراطية الحديثة، وقيمة إجرائية تتأسس عليها منظومة حقوق الإنسان، ومطلبا ملحا يروم التحقق في البلدان التي لا تزال تعاني ضروبا من التمييز ضد النساء وخاصة منها البلدان العربية والإسلامية. لذلك يبدو لنا من اللاتاريخي التمسك ببقايا نظم كان لها ما يبررها في الماضي وفقدت في الحاضر كل مبرراتها.

لم تقتصر أساليب التأويل القديمة على فصل النص عن سياقه التاريخي بل قامت كذلك على فصل العبارات القرآنية بعضها عن بعض وعن سياقها النصي العام، فجاء فهم القدامى متشظيا وسمح لهم ذلك بإنطاق النص بالمعنى الذي يختارونه. ولو عمدنا إلى قراءة آيات المواريث قراءة تصلها بسياقها لوصلنا إلى نتائج مختلفة تؤكد أن النص القرآني مليء بالاحتمالات شأنه شأن النصوص الدينية الكبرى بقدر ما تؤكد أن التأويل ليس أكثر من اختيار معنى من بين معان عدة ممكنة.

إن أول ما يلاحظ أن هذه الآيات قد ترجحت في تقرير حق النساء في نصيب من الميراث. ونظرا لانعدام الأدلة التاريخية الثابتة التي تسمح لنا بترتيب نزولها ترتيبا تاريخيا فبالإمكان اعتماد ترتيب منطقي يأخذ بعين الاعتبار معيار التدرج في تقرير الأحكام وهو معيار معتمد في أكثر من موضوع من مواضيع آيات الأحكام. وبناء على ذلك نرى أن هذه الآيات قد بدأت بإقرار التسوية بين الرجال والنساء في حق أن يكون لكل منهما نصيب من الميراث وفقا لما تنص عليه الآية : )للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا(. (النساء 4/7) ويمثل هذا الإقرار إطارا تنظيميا عاما تظهر حتى من خلال مفرداته وعباراته ونظامه اللغوي حقيقة التسوية بين الرجال والنساء في التمتع بحق وراثة نصيب من التركة قليلها أو كثيرها. وهو ما يمثل انقلابا على الأعراف السائدة لأنه « وضع مبدأ الحق في الإرث على أساس الشخص وفي عموم معناه، ذكرا كان أو أنثى، كبيرا كان أو طفلا، كذاك مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة بصفتهما أشخاصا »21. نلاحظ من جهة أخرى أن عبارة )للذكر مثل حظ الأنثيين(الدالة في حد ذاتها على تفضيل الذكر على الأنثى بجعل نصيبه ضعف نصيبها، قد لا تدل على نفس المعنى لو وصلناها بسياقها من مجموع الآيات المتعلقة بتنظيم ما يمكن أن نعتبره من الحقوق المالية للنساء. فقد أقر النص الإنفاق على المرأة وعلى العائلة عامة واجبا على الرجال وحدهم )الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم((النساء 4/34) وهو إقرار لواقع كان سائدا آنذاك وكانت أكثر النساء فيه محرومات من الميراث، وعندما أقر لها منه نصيبا دون تكليفها بالإنفاق منه على نفسها ولا على غيرها فإن أفضلية نصيب الذكر في الميراث تصبح نسبية عمليا. وهذه هي الحجة التي برر بها القدامى أنفسهم تفضيل الذكور على الإناث في أنصبة الميراث، فالرجل « أحوج إلى المال من الأنثى لأن الرجال قوامون على النساء »22. وبها كذلك برروا ولاية الرجل على المرأة ووسعوا مجال القوامة ليمتد من الشأن الخاص البيتي المتصل بالإنفاق إلى الشأن العام عن طريق اشتراط الذكورة في الولايات العامة وتحريمها بذلك على النساء. فهل بين الواقع الذي أقره النص وثبتته المؤسسة الفقهية وواقع النساء في بلادنا اليوم أي تناسب يسمح بالاستمرار في رفض مطلب المساواة في الميراث ؟ من منهن لا تنفق من مالها الخاص، الموروث والمكتسب، على نفسها وعلى عائلتها ؟ ومن منهن « تمتنع عن الاكتساب » بحجة أن « كفايتها واجبة على الزوج » وحده23؟ وإذا كان النص القرآني قد حد من الفارق بين أنصبة الرجال وأنصبة النساء في الميراث بما أقره لفائدة النساء من « حقوق » مالية كالإنفاق والمهر لأن الواقع كان يسمح بذلك ويشرعه، فما المانع من إلغاء هذه الفوارق تماما اليوم إنصافا للمرأة التي تعمل داخل البيت وخارجه وتنفق كسبها من عملها وتساهم على قدم المساواة مع الرجل في الاقتصاد العائلي ؟ وما الذي يمكن أن يكون في هذا المطلب صادما لضمير المؤمن أو متناقضا مع الإرادة الإلهية ؟!

والواضح من خلال آيات المواريث نفسها أن مبدأ المساواة قد أقر في عدد من الحالات من بينها المساواة بين الأبوين في النصيب (السدس) في حال وجود أبناء لصاحب التركة المتوفى )ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد(. ومنها أيضا المساواة بين الأخ والأخت في حال ميراث الكلالة : )وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس(. والمساواة كذلك بين الإخوة إناثا وذكورا إن كانوا أكثر من اثنين في نفس الحالة )فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث(.

فهذه الأمثلة تقوم شاهدا على أن مبدأ المساواة في ذاته ليس غريبا عن النص القرآني، فقط نطقت به هذه الحالات، بقدر ما رجحته قراءة ممكنة تأخذ بعين الاعتبار النص القرآني في كليته. فالتمييز وإن ذكر حرفيا في العبارة القرآنية )للذكر مثل حظ الأنثيين(فإنه كما أسلفنا مشروط بشروط أبرزها شرط القوامة المالية على النساء، ومن البديهي أن يؤول انعدام الشرط إلى زوال النتيجة المترتبة عليه.

خلاصات

1- إن أحكام المواريث الخاصة بالنساء، وإن جاءت في ذاتها قائمة على تقرير نزول نصيب الأنثى عن نصيب الذكر، تتنـزل في سياق نصي أوسع يحمل من الدلالات ما يثبت طموحه إلى تقليص ذلك التفاوت انسجاما مع القيم الكبرى التي بشرت بها الرسالات السماوية، ولكن التدخل البشري في ذلك النص بواسطة شتى ضروب التأويل والاستنباط قد أدى على خلاف ذلك إلى انتصار الأعراف على النص، وإلى تكريس نظام في توزيع الأموال يعكس النظام السائد في تقسيم الأدوار والوظائف بين الرجال والنساء بقدر ما يعكس نظاما ثقافيا-ذهنيا قام على الاقتناع المطلق بأفضلية الذكر على الأنثى. وهو ما شرع على مدى العصور حرمان المرأة حتى من النصيب الذي قرره لفائدتها النص.

2- إن مختلف الصيغ التي جاءت عليها أحكام المواريث تؤكد أن النص القرآني لم يكن يرمي إلى تقرير أحكام مطلقة ونهائية ولا إلى ضبط مدونة تشريعية قابلة للإحاطة بكل الفرضيات الممكنة، بقدر ما قدم أجوبة على مسائل جزئية عارضة، ويبدو من البديهي أن تلك الأجوبة منسجمة، ولو إلى حد، مع طبيعة العصر والمجتمع اللذين تنتسب إليهما، لذلك أقر أكثرها بأفضلية الرجال على النساء. وإن في اعترافنا بهذه الحقيقة بدل الاستمرار في ترديد مواقف تمجيدية تنسب إلى الإسلام ما كان من المستحيل مجرد التفكير فيه ضمن منظومة الأديان السماوية جميعها، ما يهيء للعمل على تجاوزها وقد أصبحت الظروف الموضوعية تقتضي بإلحاح هذا التجاوز. ونحن لا نرى في هذا الاعتراف وفي ما يمكن أن يترتب عليه من نتائج ما قد يضير الإسلام في شيء. ولا نجد أفضل مما قاله الطاهر الحداد تعبيرا عن وعيه بتاريخية الأحكام الشرعية وبضرورة تغيرها بتغير الأوضاع : « لقد حكم الإسلام في آيات القرآن بتميز الرجل عن المرأة في مواضيع صريحة، وليس هذا بمانع أن يقبل بمبدأ المساواة الاجتماعية بينهما عند توفر أسبابها بتطور الزمن مادام يرمي في جوهره إلى العدالة التامة وروح الحق الأعلى »24

3- تلتبس أحكام المواريث الواردة في النص القرآني بكم هائل من الأحكام الفقهية التي كان بعضها مخالفا لأحكام القرآن وبعضها الآخر متناقضا تماما معها. وهي بسبب ذلك معبرة عن فهم بشري نسبي لا يمكن أن نجاري أصحابه في ادعاء تمثيله للمقاصد الإلهية، بل إن الثابت أنها معبرة عن واقع تاريخي اقتضاها، عاكسة لطبيعة نظمه وخادمة للتوازنات المتحكمة في العلاقات الاجتماعية في زمنها. لذلك فإن الاعتراف بتاريخيتها وبشريتها يهيئ المسلم للتحرر من الضغط الذي تمارسه على ضميره اليوم وللتصالح مع عصره ومع ما يفرضه هذا العصر من مراجع في تنظيم المجتمع منفصلة تمام الانفصال عن المرجعية الفقهية القديمة، من ضمنها منظومة حقوق الإنسان والعهود والمواثيق الدولية الداعية إلى إلغاء كل أشكال التمييز أيا كانت مبرراته".

زهية جويرو : مواريث النساء : النص والتأويل،
تونس : دار الجنوب، 2006، ص. 29-41.

 

الهوامش :

1 - الواحدي : أسباب النـزول، بيروت : دار الفكر، 1988، ص. 97.

2- المصدر السابق، ص. 95-96.

3-ابن حبيب :المحبر، بيروت : دار الآفاق الجديد، د.ت، ج. 3، ص. 136-137.

4- الواحدي: أسباب النـزول، مصدر مذكور، ص. 99.

5- المصدر السابق، ص. 95-96.

6- المصدر السابق، ص. 96-97.

7- الطبري : جامع البيان، ج. 4، ص. 298.

8- المصدر السابق نفسه.

9- المصدر السابق، ص. 99.

10- المصدر نفسه.

11- المصدر السابق، ص. 99-100.

12- السيوطي : أسباب النـزول، بذيل تفسير الجلالين، بيروت : دار المعرفة، د. ت، ص. 602.

13- سحنون : المدونة، ج. 4، ص. 345.

14- الواحدي : أسباب النـزول، مصدر مذكور، ص. 95.

15- محمد علي الصابوني :المواريث في الشريعة الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة، بيروت : دار الجيل، 1999، ص.63-68.

16- المرجع نفسه.

17- ابن قدامة : المغني، ج. 7، ص. 15.

18- ابن رشد : بداية المجتهد، ج. 2، ص. 351-352.

19- ابن العربي : أحكام القرآن، ج 1، ص.331.

20- ابن خلدون :المقدمة، ص. 452.

21- الصادق بلعيد : القرآن والتشريع، ص.127.

22- ابن القيم : أعلام الموقعين، ج 22، ص.211، أنظر كذلك : ابن كثير : التفسير، ج1، ص. 457.

23-يقول الكاساني في بدائع الصنائع، ج 3، ص. 16: « الزوجة محبوسة بحبس النكاح حقا للزوج، ممنوعة عن الاكتساب بحقه، فكان نفع حبسها عائدا عليه وكانت كفايتها عليه ».

24- الطاهر الحداد :امرأتنا في الشريعة والمجتمع، تونس، 1989، ص. 27.

 

>> ملف : إصلاح منظومة قانون المواريث من منظور الفكر الإسلامي الحديث

أضف تعليق

Actualiser
+