فلسفة

الرئيسية فلسفة 
الحسين سحبان

مفتش مركزي للفلسفة متقاعد، حاصل على دبلوم الدراسات المعمقة في الفلسفة (تخصص الإبيستيمولوجيا)، وعلى ماستر في تاريخ الفلسفة، عضو اتحاد كتاب المغرب. من آخر إصداراته :

القديس أوغسطين، مؤسس اللاهوت المسيحي وملهم فلاسفة الغرب " .في المجلة الإلكترونية يتفكرون، عدد 10، 2017.

الغرب وشبح ابن رشد المقلق


 
 
كتاب برونيه(1)، "ابن رشد المقلق"، كما يقدمه الحسين سحبان للقارئ العربي، ليس فقط تفكيكا ممنهجا لصورة ابن رشد كما صاغتها الكتابات الكلاسيكية الغربية والعربية، بل هو كشف دقيق ومفصل لوجه آخر لابن رشد، ولنسق فلسفي رشدي متكامل منتظم حول نواة صلبة هي نظريته في العقل. تلك النظرية التي شغلت الفكر الغربي الوسيط، وظلت تسكنه كــ"غرابة مقلقة"، تتجلى أعراضها بصيغ مختلفة في الفكر والفن منذ القرن الثالث عشر.

نظرية ابن رشد في العقل: تصور أنثروبولوجي فريد للإنسان

لم يقف المؤلف عند شجرة نسب مفهوم العقل وتصوره عند ابن رشد، والتي تمتد جذورها إلى بناة الفلسفة الإغريقية (خاصة أناكساغور، وأفلاطون، وأرسطو، وأفلوطين) ثم إلى الفلاسفة الإسلاميين  المشرقيين والمغاربيين الأندلسيين (خصوصا الفارابي، وابن سيناء، وابن باجة، وابن طفيل) الوارثين لهذه الفلسفة. وإذا بدا أن في عدم اهتمام المؤلف بهذه الإضاءة التاريخية لمفهوم العقل وتصوره تقصيرا بيداغوجيا، من شأنه أن يجعل فهم متن الكتاب في تحليلاته وتفاصيله الدقيقة عسيرا على القارئ غير الملم بهذا التاريخ، فإن ما يمكن أن يبرر هذا الإغفال المنهجي هو، أولا، أن ابن رشد بنى نظريته في العقل انطلاقا من كتاب أرسطو نفسه (طبعا دون التخلص الكلي من آثار تطورات هذا المفهوم، خاصة في الفلسفة الإسلامية، حيث احتفظ ابن رشد على الأقل ببعض المصطلحات الأساسية لنظرية العقل كما بناها الفارابي، وابن سيناء، بعد تخليصها من حمولتها الأفلوطينية)، ثانيا، لأن هدفه ليس عرض هذه النظرية ومناقشتها، بل هدفه محاولة فهم العنف الذي قوبلت به في الغرب المسيحي، في ضوء المفهوم الفرويدي أونهايمليش (الغرابة المقلقة). لذلك اكتفى المؤلف بتكثيف نظرية العقل الرشدية وإيجازها في فقرة قصيرة كما يلي: العقل[...] مفارق، واحد، خالد[...] منفصل عن أفراد البشر، قائم عموديا فوق رؤوسهم، لامتناه، لم يُخلق، ولا يقبل الفساد.«(ص. 9). غير أن إيجاز هذه العبارة يقتضي، لفهم بقية فصول الكتاب، التمييز بين الوحدة الأنثروبولوجية للعقل (التي تقتصر هذه الفقرة على إبرازها)، وبين التعدد الإبيستيمي للعقل حسب وظائفه الفكرية: فهو عقل فاعل من جهة إنتاج المعقولات، أو المفاهيم الكلية؛ وهو عقل هيولاني (مادي)، ( قابل، ممكن)، من جهة تلقيه للمعقولات المجردة، بتدخل العقل الفاعل، من الصور الخيالية، المتلقاة من الحواس والمخزونة في المخيلة؛ وهو أخيرا عقل مستفاد ( وهو ما ترجمه اللاتينيون بلفظ habitus) من جهة المكتسبات المعرفية الاستعمالية (المعارف العملية). فهم السكولائيون من النظرية الرشدية في العقل تقويضا للأنثروبولوجيا (تصور طبيعة الإنسان وموقعه في العالم) التي تأسست في الغرب منذ أكثر من اثني عشر قرنا: إن إنسان ابن رشد ليس عاقلا بالطبيعة، ليس "حيوانا عاقلا أو ناطقا" كما يقال. لا يتحد العقل معه اتحادا جوهريا، ليس ملكا له، ليس محتوى في باطنه مثلما يحتو سائل أو غاز في وعاء مغلق. بل هو مفارق للإنسان الفرد. لأن المفاهيم والمعقولات الكلية لا يمكن أن ينتجها الفرد البشري الجزئي الذي لا يدرك إلا ما هو جزئي ومتغير. فأن يفكر الإنسان إذن معناه أن ينفتح: على العالم الحسي أولا(فلا معرفة بدون تجربة حسية في وفاق مع أرسطو)، ثم ينفتح، ثانيا، على العقل الفاعل الذي يساعد العقل الهيولاني على تجريد المعقولات أو المفاهيم الكلية من الصور الخيالية المستمدة من الإدراك الحسي للأشياء(فلا معرفة بدون تخيل في وفاق أيضا مع أرسطو). إن الفكر إذن عمل يقتضي جهدا وبناء ومثابرة في مسيرة ارتقاء من المحسوس الجزئي، إلى الصورة الخيالية، إلى المفهوم العقلي الكلي المجرد، إلى الاستدلال النظري. النتائج؟ الإنسان الفرد ثانوي في العالم، وليس مركزيا فيه.إنه مثله لا يختلف عن الكئنات الأخرى سوى بإمكان ترقيه في مراقي الفكر والمعرفة عن طريق الاتصال بالعقل الفاعل، وممارسة بناء المفاهيم بمساعدته ذلك لأن  الفرد بشرطه الجسدي يعتريه الكون والفساد. يولد أفراد البشرية ويموتون، وتبقى البشرية خالدة لا تفنى، لا أول لها ولا آخر. ومن ثم تتقوض أسس الأنثروبولوجيا والإبيستيمولجيا المسيحية الوسطوية. لذلك كان رد فعل السكولائيين ضد ابن رشد والرشدية عنيفا جدا.

السكولائية وابن رشد: عداء راسخ ومتعدد الأوجه

انقسم السكولائيون الذين تلقوا فكر ابن رشد بصفة عامة، ونظريته في العقل بصورة خاصة، إلى »رشديين «و »معادين للرشدية «. وقف المؤلف عند التيار المعادي للرشدية لتفسير عنف عدائه ومصيره في تاريخ الفكر الغربي. وقبل أن يخضع المؤلف هذا العنف لتحليل نفسي لكشف أبعاده اللاواعية في الفكر السكولائي، أشار إلى الدافع الواعي المعلن لهذا العنف، وهو قراءة التيار المعادي للرشدية للأطروحة الرشدية: إنها »  خراب للعقلانية الشخصية...تلخصه عبارة... »  الإنسان لا يفكر «... ففي هذه الشتيمة للنوع والفرد البشريين معا، تصير الأخلاق والسياسة والدين باطلة، ولا يعود ثمة أخيار ولا أشرار، ولا شخصية، ولا حياة باطنية، ولا مؤلف، ولا فاعل، ولا أنا، ولا أنت: ... يصبح البشر المزاحين عن المركز ذائبين في فكر شمولي، وكأنهم غارقون في كل، فاقدين للوعي والحرية «(10). وقد اتخذ هذا العنف كما وصفه المؤلف بتركيز ثلاثة أوجه:خطابي لاهوتي، تجلى في تكفير ابن رشد المصحوب بشتى ألوان الشتائم واللعنات، والتشهير، والتحقير؛ ونظري فلسفي نقدي، بلغ أعلى مستوياته في كتاب القديس توما الأكويني، في وحدة العقل، ضد الرشديين L’unité de la raison contre les averroèstes (الصادر في سنة 1270 )؛ وأخيرا(وهذا أحد جوانب الجدة في الكتاب) إبداع فني تشكيلي، في عصر النهضة الإيطالية(2)، أوضحه المؤلف باختيارلوحتين فنيتين، تتناولان بكيفيتين مختلفتين موضوعا مشتركا، "انتصار توما الأكويني"، كاشفا عن دلالة رسم ابن رشد فيهما من زاوية المفهوم الفرويدي أونهايمليش.

 السؤال المزدوج الذي يوجه تفكير المؤلف هو لماذا لم تمت الرشدية، رغم كل ما قوبلت به أطروحة ابن رشد من عداء ومحاربة لا هوادة فيها، حيث ظلت صامدة، وتعاود الظهور حينا بعد حين في تاريخ الفكر الغربي منذ العصر الوسيط، ولماذا يمتزج في تاريخها داخل هذا الفكر الانبهار بالرفض؟ يجيب المؤلف بصوغ أطروحة الكتاب كما يلي: لا يعود موقف العداء والتناقض الوجداني الذي قابل به السكولائيون نسق ابن رشد إلى »  كونه غريبا  غرابة خالصة، مثل شيء أجنبي أتى من خارج العالم اللاتيني ليحدث فيه البلبلة، وإنما يعود إلى أنه أحد أوجه- وربما أنموذج أوجه- ما سماه فرويد  »أُونْهَايْمْلِيش « Das Unheimliche  »غرابة مقلقة   « l’inquiétante étrangeté «. «(12).

ابن رشد: عقدة "الغرب"

 يمهد المؤلف لتأسيس أطروحته، بتحديد المفهوم الفرويدي أونهايمليش Unheimliche ، مشيرا أولا، إلى الدلالة اللغوية الاشتقاقية لهذا اللفظ: إنه مشتق من لفظ heimliche (بمعنى المنزل الذي يشكل الفضاء الحميمي الخاص، ويشعر بالأمن والطمأنينة، وبصفة عامة كل مألوف يرتاح إليه) بإدخال حرف النفي «un» عليه، بحيث يعني ضد معنى هايمليش، أي  "الغريب، المخيف، المفزع، المقلق". غير أن فرويد جعل لفظ أونهايمليش، بإلهام من تعريفه من قبل الفيلسوف الألماني شيلينج، من الألفاظ الأضداد، أي يدل على المعنيين المتضادين المذكورين في آن واحد. فيكون معناه "الغريب المفزع الذي كان من قبل مألوفا، فطواه النسيان، مثل سر كان ينبغي أن يبقى مكتوما، لكنه انكشف فجأة". وفي ضوء هذه الدلالة اللفظية يأتي تعريف فرويد للأونهايمليش من زاوية التحليل النفسي:  »الأونهايمليش هوكل ما يذكرنا بنزوات رغبة مكبوتة، وبأنماط تفكير متجاوزة، تنتمي لماقبل تاريخنا  الفردي، وللأزمنة الأصلية للشعوب[التغليظ مضاف «.

تكفي أمثلة قليلة من أوجه الغرابة المقلقة التي استخلصها المؤلف من قراءته لبعض نصوص السكولائيين وبعض اللوحات الفنية  لفنانين إيطاليين لإبراز أهميتها، وإذكاء الرغبة في قراءتها مباشرة في متن الكتاب نفسه.للاستمتاع بما تتسم به تحليلات المؤلف  لهذه الأوجه من عمق ودقة. وبراعة. المثال الأول مأخوذ من كتاب الأكويني المذكور، وهو "قلق أو وسواس العمى"، الذي حاول الأكويني بتحريف ماكر لأحد عناصر النظرية الرشدية، أن يبثه في نفوس السكولائيين من أتباعه. يتعلق الأمر بتشبيه الأكويني للعقل الهيولاني بالعين، بدل تشبيه ابن رشد بعد أرسطو له بالوسط الشفاف الذي هو شرط لرؤية العين للألوان. أضاف لهذا التحريف فكرة مفارقة هذا العقل للأفراد، فاستخلص من ذلك أن ابن رشد يريد بنظريته اقتلاع العقل من الإنسان، كما تقتلع عين من محجرها وتعلق في فضاء مجرد، تقوم فيه بفعل الرؤية وهي مبتورة عن الجسم، أي يريد أن يصيب الإنسان بالعمى ( العقلي). والعمى من منظور التحليل النفسي هو أونهايمليش أنثروبولوجي ذكوري، لأن العين رمز للقضيب، واقتلاعها رمز للخصاء. وأوضح المؤلف هذه الغرابة المقلقة بلوحة لفنان إيطالي مجهول، من القرن السادس عشر، عبر فيها عن انتصار الأكويني برسمه متربعا على عرش مرتفع في جلال وهيبة، وعن اندحار ابن رشد برسمه مستلقيا على جنبه تحت أقدام الأكويني. ويدعونا المؤلف لنقترب  أكثر من وجه ابن رشد لكي نرى كيف عمد الفنان أو أحد غيره إلى كشط عينيه وجعله أعمى  انتقاما من إرادته إلحاق العمى بالإنسان (الغربي، المسيحي)( انظر، ص. 36، وتجدر الإشارة إلى أن هذه اللوحة ليست متاحة على الإنترنت سوى في تفصيل جزئي، يظهر جزءه الأعلى وحده، بحيث لا يظهر فيها ابن رشد عند أقدام الأكويني). المثال الثاني، نتج عن تأثير نظرية الأكويني حول الشر، ذلك لأن إخلاء الإنساء من العقل، وهو خير، يترك فيه فراغا، لا يمكن أن يملأه سوى ما هو شر، وأخطر الشرور المتربصة  بالإنسان الشيطان. ويتجلى وجه الغرابة المقلقة  هنا، في اعتبار الإنسان الرشدي، و ابن رشد نفسه، إنسانا أو شخصا به مس من الشيطان، وكأنه آلة يحركها الشيطان من الداخل، مثل الحمقى والمجانين. وهذه الآلية التي تظهر في الإنسان المصاب بالجنون أو الصرع، مثلا، هي من أوجه الغرابة المفزعة التي كشف عنها فرويد لدى المصابين بالاضطرابات النفسية، أساسها عدم قدرة الإنسان أمام شخص يصدر عنه سلوك آلي غير إرادي عن التمييز بين كونه إنسانا أو آلة. أي فانحطاط الإنسان إلى مستوى الآلة الخالية من الإرادة والوعي، غرابة مفزعة، ومرعبة. لم يورد المؤلف لوحة فنية حول هه الغرابة المقلقة في نظرية ابن رشد. لكن هناك لوحة متاحة في الإنترنت للفنان الإيطالي بونوزو جوزولي Bonozzo Gozzoli تجسد هذا الوجه. المثال الأخير هو لوحة فنية للرسام الإيطالي فيليبي ليبي Filippino Lippi  (انظر ص. 142، هذه اللوحة متاحة في الإنترنت)، جسدت تهمة ابن رشد بالكفر والهرطقة، أي بإحياء نمط التفكير المتجاوز والمنتمي لماقبل تاريخها، من خلال قوله بوحدة النفس الكلية وخلودها، أي بتحطيم الأنثروبولوجيا الغربية المسيحية الوسطوية، حيث رسم الفنان أيضا ابن رشد تحت أقدام الأكويني، لكن مع مسيحيين محكوم عليهم بالهرطقة ومن الممكن أن يقرأ في هذا الحشر لابن رشد ضمن هراطقة مسيحيين الإقرار الضمني غير الواعي بانتماء ابن رشد للعالم اللاتيني.

ابن رشد غربي وليس عربيا

 أظهر المؤلف ابن رشد، منذ بداية الكتاب(ص. 9)، في صورة قد تفاجئ القارئ بقوتها وجرأتها المدهشة: ابن رشد صاحب ثورة إبيستيمولوجية، جديرة بأن تصنف مع الثوراث الثلاث، الفلكية (الكوبرنيكية) والبيولوجية (الداروينية)، والسيكولوجية (الفرويدية). إذ من الممكن لأول وهلة الشك في هذا الحكم، واعتباره من المبالغات المسرفة المعتادة في خطاب المدح والإطراء في الإيديولوجيا القومية. لكن المؤلف أبان عن وجه باحث حقيقي جاد، واسع المعرفة بابن رشد وتاريخ فكره في العصر الوسيط الغربي، ومن ثم أسس أحكامه في كتابه هذا على حجاج متين معزز بمصادر جديرة بالثقة، وبسط مضمونا فكريا غنيا ومتنوعا، في أسلوب حي، بسيط وعميق في آن، موجز ومكثف وواضح.

أما الخلاصة التي انتهى إليها المؤلف في خاتمة الكتاب فهي أن عداء السكولائية العنيف لابن رشد لم يأت من كونه عربيا مسلما، أو بربريا، أي غريبا خارجيا أجنبيا اقتحم العالم اللاتيني وأحدث فيه البلبلة، فحورب وأقصي منه، وإنما أتى من أن نسق ابن رشد هو أونهايمليش الغرب السكولائي، هو مكبوته ومنسيه  وسره الذي انكشف في قلب فكر هذا الغرب. إن ابن رشد إذن غربي وليس عربيا. ومن أهم الأدلة على ذلك محاولة الأكويني فك الارتباط بينه وبين أرسطو، أي إلغاء انتمائه الإغريقي الذي يعترف به ضمنيا؛ والدليل على ذلك أيضا ازدواجية العداء السكولائي لابن رشد، فهو "انبهار ورفض"، "حب وكره"؛ والدليل على ذلك، أخيرا، استعادة الحداثة ومابعد الحداثة الغربية لابن رشد، بحيث تبدو ثورته الإبيستيمولوجية، التي لم يعد يمكن وفقا لها  الحديث عن ذات فردية للفكر، والتفكير بضمير المتكلم، أي قول "أنا أفكر"، أي أصبح الكوجيطو الديكارتي معها مستحيلا، تبدو تلك الثورة في مثل راهنية الاتجاهات المعاصرة في التفكير في مسألة الذات، ونقد فلسفات الذات، في مختلف الحقول المعرفية، كما نجدها مثلا لدى كارل بوبر، وجاك لاكان، وجاك ديريدا، وبول ريكور، وغيرهم. ولعل هذا يفسر لماذا لم تدرك الثورة الإبيستيمولوجية لابن رشد في الفكر العربي الإسلامي، ولم تكن بالنسبة إلى هذا الفكر "غرابة مفزعة"، كما كانت بالنسبة إلى الفكر الغربي الوسيط والحديث والمعاصر. لم يكن ابن رشد أونهايمليش بالنسبة إلى المفكرين العرب والمسلمين، وخاصة المغاربيين، الذين أنتج متنه ونسقه بينهم وهم عنه غافلون. (وربما كان فقهاء  الغرب الإسلامي هم وحدهم الذين كان ابن رشد بالنسبة إليهم أونهايمليش، فناصبوه عداء لا يقل عن عداء السكولائيين الغربيين له، كما يتجلى ذلك في محنته المعروفة في فاس وقرطبة، والتي كاد يقدم فيها حياته ثمنا لفكره) فلا بد أن يكون أحد تأثيرات كتاب جان باتيست برونيه هذا، إرغام الرشدية العربية الراهنة، ومعها البحث الأكاديمي، والتفكير العربي عامة في ابن رشد، على إعادة النظر في بداهة انتمائه إلينا وانتمائنا إليه، وفتح أفق وضع أسس جديدة لهذا الانتماء المزدوج، وربما للجواب على السؤال لماذا كان ابن رشدا غربيا ولم يكن عربيا، رغم الاسم والنسب واللغة، والثقافة؟

(1) جان باتيست برونيه أستاذ الفلسفة العربية، بجامعة باريس الأولى، بانثيون-السوربون، متخصص في ابن رشد، صدر له حوله كتابان آخران، هما

Je fantasme, Averroès l’espace potentiel, Paris, Verdier, 2017 -

Les possibilités de jonction: Averroès-Thomas Wylton, Berlin, De Gruyter, 2013 -

 

(2) بل حتى الأدب شارك في محاربة ابن رشد والرشدية، حيث خصص المؤلف الفصل السادس كاملا لقصيدة شعرية لشاعر إيطالي يبين فيها الإفساد الذي تلحقه نظرية ابن رشد في العقل بالحب وبأبعاده الإنسانية والجمالية (ص.41-49).

أضف تعليق

Actualiser
+