تاريخ

الرئيسية تاريخ 
رشيد غوفاري

باحث في الدراسات الثقافية الإنجليزية، إطار بمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية.

الأمة المختبر: ماذا حصل للتحديث الإسلامي؟

 
 
مقالة فرانسيس روبنسون هذه المنشورة في الملحق الأدبي لجريدة التايمز البريطانية بتاريخ 5 يوليوز 2019 والتي ترجمها رشيد غوفاري، تتضمن تقديما لكتاب "الإسلام في باكستان: مقاربة تاريخية"* للباحث محمد قاسم زمان، الأستاذ بجامعة برينستون الأمريكية، حيث يسلط الضوء على وضع الإسلام في ثاني أكبر بلد إسلامي، الباكستان، في علاقته بالسياسة والتشريع. كما يحلل نشأة حركة التحديث الإسلامي وتعثراتها، والدور المتصاعد للعلماء في تأطير المجتمع الباكستاني والتأثير في السياسات العمومية، خصوصا السياسة التربوية والتعليمية.

كانت باكستان، إبان تأسيسها في عام 1947، أول دولة إسلامية من حيث تعداد السكان. وأدرك قادتها آنذاك إمكانية اضطلاع بلدهم بدور الزعامة في العالم الإسلامي، فتبنوا أفكارا حماسية حول ما يمكن له أن يقدم للإسلام. ومن خلال تفعيله لما أصبح يعرف بـ "قرار الأهداف" [الوثيقة التي حددت المبادئ الأساسية التي قام عليها إعداد أول دستور لباكستان المستقلة حديثا آنذاك] في أوساط الجمعية التأسيسية للبلاد في مارس من عام 1949، أعلن رئيس الوزراء لياقت علي خان أن الدولة الجديدة تصبو إلى "تمكين المسلمين من إرساء نظام يكون بمثابة مختبر يثبت أن الإسلام ليس قوة تقدمية فحسب، بل هو كذلك مصدر حلول للكثير من المشكلات التي تشكو منها الإنسانية". في هذا الصدد، يحاول محمد قاسم زمان وصف ما اعتمل في هذا المختبر، وإلى أي حد تم اعتماد نظرية لياقت علي خان على أرض الواقع.

يستعرض زمان- معتمدا مقاربة موضوعية- مختلف الحركات الإسلامية التي تشكلت في ظل الحكم الاستعماري، ويقدم لنا علماء الدين المسلمين الذين يستندون على ما يفوق ألف سنة من الاجتهاد. وظهرت منهم جماعات مثل جماعة أهل الحديث التي ترى أنه يجب التخلي على أغلب الاجتهادات السابقة والاقتصار فقط على القرآن والحديث كمصدرين للدعوة؛ بينما تشدد الطائفة الأحمدية على الاعتقاد المثير للجدل باستمرار النبوة بعد محمد؛ وحافظ أتباع البريلوية على أهم التعاليم الإسلامية مع التركيز على التوسل بالأضرحة والأولياء؛ أما الديوبنديَّة فقام إسلامهم المعدل على أساس ترجمة أهم النصوص إلى اللغة المتداولة، مع التركيز على التعامل الفردي مع تلك النصوص، ومسؤولية المرء على أفعاله، ومعارضة شديدة لفكرة التوسل بالأضرحة. ويحيلنا زمان على "الإسلاميين أتباع مولانا المودودي الذين حاولوا إيجاد نظام إسلامي متكامل يقوم على القرآن والسنة، ويستدعي فرضه في المجتمع امتلاك السلطة السياسية. وأخيرا يناقش المؤلف موضوع التحديثيين المسلمين الذين يسعون وراء "حزمة من المبادرات الدينية والفكرية والسياسية الرامية إلى جعل الإسلام على مستوى المعتقدات والمعاملات والمؤسسات يتوافق مع تحديات العصر.

إن مصير التحديث الإسلامي في باكستان هو الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب. غداة الاستقلال، كل شيء كان يوافق توجهات حركة التحديث. فقد كان التحديثيون - مسلمون أو غير مسلمين - يمسكون بنصيب وافر من السلطة، وقدموا بعض التنازلات من أجل صياغة دستور باكستان في عام 1956، من قبيل الموافقة على أن تتخذ الدولة اسم "الجمهورية الإسلامية". علاوة على ذلك، تلقى التحديثيون دفعة أخرى مع حلول عام 1958 عندما أتى أيوب خان إلى السلطة وقرر إحداث تغيير في العديد من مناحي الحكم والمجتمع. ففي عام 1962، أصدر أيوب خان دستورا جديدا مغايرا لدستور عام 1956، حيث أنه ألغى منه الإشارة إلى كون السيادة أمانة مقدسة من الله إلى الشعب يمارسها "طبقا للحدود التي قدرها سبحانه"، واكتفى بالإشارة إلى الدولة باسم "جمهورية باكستان". وقد شهد العام السابق إقرار مرسوم قوانين إسلامية تقدمية للأسرة. وعقب ذلك في عام 1962، تم تعيين فضل الرحمن، المفكر الإسلامي التحديثي البارز في باكستان والذي يثير إعجاب زمان بشكل واضح، لإدارة معهد الدراسات الإسلامية المركزي الذي أحدث بموجب الدستور.وقد نشر فضل الرحمن سلسلة من آرائه التحديثية مثل التأكيد بواسطة الحجج الدامغة على جواز التعامل بالفوائد البسيطة في المعاملات المالية، والذهاب إلى أن النبي محمدا لم يكن مجرد متلقي للوحي بل شارك إيجاباً في تشكل الخطاب القرآني. وكل هذه الآراء أوردها في كتاب ضم وجهة نظره حول الإسلام ككل، الشيء الذي أثار غضب القوى المحافظة، ودفعه للاستقالة، دون رضا أيوب خان، والعيش مغتربا كأستاذ بجامعة شيكاغو.

لقد شهدت فترة فضل الرحمن ازدهار التحديث الإسلامي في باكستان. لكن زمان يرى أنه لا يجب أن ننظر إلى عهد ضياء الحق (1977-1988)، الذي قرر فرض نظام إسلامي على البلاد، على أنه فترة تقهقر حاد في منحى التحديث الديني، فقد حافظت البيروقراطية المدنية والقضائية على توظيف أولئك الذين تلقوا تعليما غربيا. وفضلا عن ذلك، لا يمكن اعتبار وصول بينازير بوتو العلمانية وخريجة أكسفورد، إلى الحكم على أنه قد فتح منفذا أمام التحديث الإسلامي، بل بالعكس فهي قاومته باستخدام تكوينها الغربي. وعرفت الحكومات المتتالية لنواز الشريف خلال التسعينات - والتي تمكنت إحداها من فرض الشريعة - انخراط العلماء والإسلاميين في مسار التحديث الديني. كما أن وصول برويز مشرف إلى الحكم قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قد مكنه من إعطاء نقلة نوعية أخرى للتحديث الإسلامي. مهما كانت الخلاصة التي يرمي إليها زمان، فالتوجه العام للتحديث الإسلامي منذ عهد فضل الرحمن، قد طاله التراجع. ومن أسباب ذلك الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي وتأثيراتها على المجتمع الباكستاني، وتعبئة العلماء والإسلاميين للجهاد في أفغانستان وكشمير، وما ترتب عن ذلك من تبعات على باكستان، والربط بين التحديث الإسلامي والاستبداد الحكومي، وأخيرا بسبب العداء الذي ما فتئ يبديه التحديثيون تجاه خصومهم.

وقد اتسم تاريخ جنوب آسيا خلال القرنين الماضيين بظهور العلماء كقوة سياسية، إذ تمكنوا إبان الحكم الاستعماري من الحصول على مكانة اجتماعية لم يحظوا بها من قبل، وذلك بفضل الصحوة الإسلامية والتنافس الشديد فيما بينهم لكسب دعم المجتمع والدفاع عن المصالح الإسلامية من منظورهم الخاص. وعند تأسيس باكستان، استمروا في فرض أنفسهم وأضحوا الخصوم الرئيسيين للحداثيين، خصوصا عندما يتجرأ هؤلاء على التشريعات المستندة إلى الدين، كما هو الحال بالنسبة لمرسوم قوانين الأسرة في عهد أيوب خان، ومحاولة الجنرال مشرف تعديل التشريع الإسلامي الصادر في عهد ضياء الحق. لكنالمؤلف حريص على أن يقنعنا بأن العلاقات بين العلماء وغالبية التحديثيين الذين يسيطرون على دواليب الدولة، ليست بسيطة على الإطلاق. فهناك من العلماء من يتبنون وجهات نظر تحديثية، بينما يكتفي آخرون بدعم الدولة من خلال استنادهم إلى التقرير المنشور عام 1979 حول المدارس الدينية، الذي أوصى بتوسيع صلاحيات هذه المدارس لتتولى تدريس جزء من المنهاج التربوي الحكومي، والتي كانت في مستوى التطلعات التي وردت في التقرير.

ومن مظاهر تصاعد دور العلماء في باكستان وكذا في الهند وبنغلاديش، التزايد الهائل في عدد المدارس الدينية. فوفقا لبعض الاحصائيات، كانت في باكستان عند استقلالها 189 مدرسة، ليرتفع العدد إلى 10000 مدرسة بحلول عام 2002. ويعكس هذا الارتفاع إرادة شعبية، إذ تعتمد هذه المدارس بشكل شبه تام على التبرعات الشعبية، بفضل اطمئنان عموم الباكستانيين إلى هذا الصنف من المدارس، وبسبب فشل الدولة في توفير التعليم على المستوى المحلي، وتوافر بعض الإعانات المادية من الخليج العربي. وقد كان المؤلف محقا عندما ذهب إلى أن هذا التطور يعكس ثراء نسبيا. وتنتسب الغالبية العظمى لهذه المدارس للطائفة الديوبندية، وهي تعمل بانتظام على تخريج مئات الآلاف من التلاميذ الباكستانيين، الشيء الذي يقوي حتما الجبهة المعارضة للتحديثيين.

يقدم المؤلف تحليلا ومعطيات هامة عن مفهوم الحاكمية في دستور باكستان (والتي غالبا ما يتم ربطها بـالمودودي) ؛ وعن المشاكل الشائكة المرتبطة بموقع الأقليات في هذه الدولة ذات الطابع الإيديولوجي، مع التركيز فقط على الأحمدية والشيعة، وكان عليه أن يضم إليهما طائفتي المسيحيين والهندوس ؛ وعن الكيفية التي أدى بها الإصلاح الإسلامي إلى تقسيم الأرض الشاسعة التي ازدهر فيها التصوف في الماضي.

أما الفصل الذي خصصه زمان للحديث عن مشكل العنف الديني والسياسي الذي عانت منه باكستان كثيرا، فله أهمية خاصة لأنه يبين كيف قتل 48.994 شخصا على يد المسلحين بين عامي 2001 و2013، وكيف أضحت مهمة توفير الأمن في باكستان نشاطا رائجا. ويرى زمان أن الدولة والمجتمع مسؤولان عن هذا الوضع. فمن جهة، "تبارك النخبة الحاكمة وكذا الجيش الظروف التي يتم فيها تبرير اللجوء إلى العنف الديني"، كما هو الحال في حرب كشمير بين عامي 1947 و1948، وحربي عامي 1965 و1971 بين الهند وباكستان، وكذا الجهاد ضد الاحتلال السوفياتي في أفغانستان خلال الثمانينات وضلوع باكستان في قضية كشمير منذ التسعينات. ومن جهة أخرى، يحرص زمان على الاعتراف بوجود فاعلين غير حكوميين "يستندون إلى ما يناسبهم من الموروث الإسلامي لتبرير لجوئهم إلى خيار العنف في ظروف معينة، وهذا ما يحتم الاهتمام بهؤلاء لفهم طبيعة توجهاتهم". لقد أضحت باكستان، في أعقاب الجهاد الأفغاني، توفر بيئة خصبة تزدهر فيها الجماعات المسلحة تحت زعامة هذا الصنف من الرجال الذين تخضع أفعالهم أحيانا لدوافع عقائدية مواكبة لمصالح الدولة، لكن في أحيان أخرى يكون مجرد وجودهم أمرا غير مرغوب فيه إن لم يكن متعارضا تماما مع أهداف الدولة.

يقدم الكتاب معالجة متوازنة للغاية لوضعية الإسلام في باكستان، تراعي الجوانب الدقيقة للموضوع وتعقيداته ؛ وهي ناتجة عن معرفة شاملة بكتابات التحديثيين والعلماء والإسلاميين. وللأسف لم يتحقق مبتغى لياقات علي خان المتمثل في إثبات أن الإسلام قوة تقدمية بإمكانها خدمة الإنسانية.

 

 

* Muhammad Qasim Zaman, Islam in Pakistan: a history, Princeton, Princeton University Press, 2018.


أضف تعليق

Actualiser
+