ثقافة ودين

الرئيسية ثقافة ودين 
عزالدين العلام

أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، عضو مؤسس للجمعية المغربية للعلوم السياسية، ومركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، الرباط. من آخر إصداراته

النصيحة السياسية، دراسة مقارنة بين آداب الملوك الإسلامية ومرايا الأمراء المسيحية، بيروت: منشورات مؤمنون بلا حدود، 2017.

سؤال الدين والسياسة


 
 
الدين والسياسة ثنائية تؤرق التاريخ السياسي الطويل لمجتمعات المسلمين، تتشابك تعقيداتها على مستوى الوقائع كما على مستوى الأفكار. في عرضه لكتاب مراد زوين يشير عزالدين العلام لبعض من عناصر النقاش الجاري في الفكر العربي الحديث منذ ظهور "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق.

يندرج هذا الكتاب [1]في سلسلة من الدراسات والسجالات التي تعرفها الساحة الثقافية العربية، وخاصة مع الأحداث التي أصبح الجميع يعرفها تحت مسّمى "الربيع العربي. قد يعتقد البعض أن البحث في سؤال الدين داخل الخطاب المعرفي، كما هو الحال في الكتاب موضوع هذه القراءة، مجرد ترف أمام أهمية البحث في تفاعلاته السياسية. ومثل هذا الاعتراض يغفل أنّ البحث في الخطاب المعرفي لا يلغي البحث في السلوك والخطاب السياسي، ونّ أفق أي مجتمع يبقى رهين أفق مثقفيه ونخبته المفكرة.

كيف تصور المفكرون العرب العلاقة بين الدين والسياسة ؟

سؤال لا يكتسي أهمّيته فقط فيما أثاره سابقا من مناقشات، بل وأيضا فيما يعيشه العالم العربي اليوم. جوابا عن هذا السؤال، افتتح المؤلّف دراسته بتمهيد خصّه ل"أصول فكرة العلمانية" التي تعود لبداية الانعتاق من العصر الوسيط مع ظهور المدن وقوى إنتاج جديدة، ناهيك عن ظهور الجامعات منذ القرن 13 الميلادي الذي كان حاسما في نشر الفكر الحر، وكذا دور العرب التاريخي في التعريف بالفكر الإغريقي. والنتيجة انتشار النزعات الإنسية أوّلا والفكر الأنواري ثانيا، دون أن ننسى الصراع من أجل إقرار التسامح والتعدد الديني الذي كان له دور كبير في مسار الفصل بين الدين والدّولة، خاصة بعد ما عرفته أوربا من مآسي الحروب الدينية. (ص 11-26)

يستعرض الكاتب آراء ثلاث مفكّرين نهضويين. الأوّل سعى للتّجديد والإصلاح من داخل التراث العربي-الإسلامي دون أن يتنكّر للعقل، وهو محمد عبده. والثاني فكّر في الموضوع من خارج الدائرة التراثية داعيا لتبني الفكر الليبرالي، والفصل بين المجالين الديني والسياسي، وهو فرح أنطون. أمّا الثالث، وهو يشكّل فعلا استثناء زمانه، فقد بيّن انتفاء العلاقة بين الدين والسياسة من داخل التراث الفكري والوقائع التاريخية التي عرفتها التجربة العربية- الإسلامية، وهو علي عبد الرازق. (ص 27-105)

وفي محور ثان، استعرض المؤلّف تصوّرات ثلاثة مفكّرين طبعوا الساحة الثقافية العربية. الأوّل دعا إلى تصوّر جديد للعلمانية، وتحييد الدين مستعينا بقراءة نقدية للعقل العربي الإسلامي، وهو محمد أركون. والثاني نفى أصلا وجود مثل هذا المشكل دون أن يتنكّر لركائز الفكر الحديث، وهو محمد عابد الجابري. أمّا الثالث، فقد حاول التوفيق بين اتّجاهين متقابلين بتأكيده على أنّ "الديمقراطية" هي السبيل الوحيد لحل هذا النّزاع، ويتعلّق الأمر ببرهان غليون. (ص 107-223)

وأخيرا، ناقش المؤلّف بعض المفاهيم المحورية ذات الصلة بسؤال العلاقة بين الدين والسياسة ك"الهوية" و"الاختلاف" و"المدنية"، مستعينا من حين لآخر بعدد من المفكرين والسياسيين مثل عبد الله العروي وعلي أومليل وعلال الفاسي وراشد الغنوشي. (ص. 225-266)

لقد حاول المؤلّف أن يبيّن أنّ سؤال العلاقة بين الدين والسياسة هو أعمق من قضية وصل أو فصل على المستوى السياسي الضيّق. بل هو في العمق قضية مجتمعية متعدّدة الجوانب، حلّها الأساس يكمن في بناء الدولة الحديثة، وتبنّي الدمقراطية، والدخول إلى الحداثة.

ملاحظات نقدية حول الكتاب

يصعب تفصيل ما سجّلناه من ملاحظات، ونكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها.

1 -تتعلّق الملاحظة الأولى ببناء الكتاب ككل، ذلك أنّه بدل أن ينطلق المؤلّف من الإشكال الرئيس المبتوت في العنوان ليسائل في ضوئه مختلف المفكّرين، انطلق من هؤلاء المفكّرين أنفسهم ليبسط أراءهم في الموضوع، واحدا بعد الآخر، حتّى إن الكتاب كاد في بعض الأحيان أن يتحوّل إلى تلخيص لما كتب هؤلاء. والمسألة في عمقها منهجية، فحينما ننطلق من مفكّر بعينه، نكون شبه ملزمين، ربّما للأمانة، أن نبسط آراءه كما هي بأقل تدخّل ممكن، في حين أنّ الانطلاق من "مفهوم" يعطي حرية أكبر لمساءلة هذا المفكّر أو ذاك دون أن نكون ملزمين بتتبّع منطقه الخاص.

2 – يحدث نتيجة هذه المنهجية التي اتّبعها الباحث أن يستعرض أفكار كاتب ما دون مناقشته. وأورد هنا مثالين، أوّلهما يخصّ علي عبد الرازق والثاني محمد عابد الجابري. يقول الباحث "ويماثل على عبد الرازق بين اختلاف المسلمين حول مصدر الخلافة، واختلاف بعض فلاسفة الأنوار ك"هوبز" و"لوك" حول مصدر سلطان الملوك في أوربا: مثل هذا الخلاف بين المسلمين في مصدر سلطان الخليفة قد ظهر بين الأوربيين (...) ويكاد المذهب الأوّل يكون موافقا لما اشتهر به الفيلسوف هوبز من أنّ سلطان الملوك مقدّس وحقّهم سماوي، وأمّا المذهب الثاني فهو يشبه أن يكون نفس المذهب الذي اشتهر به الفيلسوف لوك" (ص 71). والواقع أنّه لا هذا ولا ذاك. والبون شاسع بين أوتوقراطية هوبز Hobbesوالاستبداد الإسلامي. فالفرق كبير بين رغبة "هوبز"، بل و"ماكيافلي" و"جون بودان"Bodin  الذين دافعوا عن سلطة الدولة ومركزتها بهدف القضاء على التشتت الفيودالي، وبناء دولة جديدة، وبين تفكير سياسي إسلامي يرفع السلطان إلى مقام الآلهة، ولا يهدف إلى أكثر من الحفاظ على دولة قائمة.

ويختصّ المثال الثاني بمناقشة تصوّرات محمد عابد الجابري. والواقع أنّ هذا المفكرقد يفاجئ قارئه حين يؤكد مثلا أنّ الفصل بين الدين والدولة ليس مشكلتنا، وأنّ "العلمانية" لا تعني المسلمين، وأنّ "حقوق الإنسان" وإعلاناتها المختلفة متجذرة في الخطاب القرآني علما أنّ المسألة مثار نقاشات واعتراضات.

من الأكيد أنّ محمد عابد الجابري سار على النّهج الصّعب، وهو البحث فيما لدى المسلمين  كثقافة وحضارة عن مقابل للمفاهيم السياسية الحديثة، وبعبارة موجزة ما يسميه الجابري بـ"تبيئة المفاهيم"، أو "التّأصيل الثقافي". إنّها فعلا مهمّة صعبة، بل أحيانا مستحيلة، أن يجد الباحث في بيئته ما به تبرّر أسس الديموقراطية الحديثة ومبادئ حقوق الإنسان. لا شيء حقا يضمن نجاح مثل هذه المهمة.

 في هذه النقطة بالذات، تبدو جلية إضافة المفكر عبدالله العروي -الذي كان سيء الحظ في هذا الكتاب- فبرفضه الصريح والعميق للانصياع للتراث والتقليد يرفض كل التأويلات المتهافتة للتراث الإسلامي. وبتركيزه على الحاجة إلى "الدولة" كقيمة مستقلة، يندرج تفكيره في العلمانية بشكل صريح عند الذين يفهمونه، أو بشكل مضمر عند الذين يتضايقون من تفكيره. تقع أهمية هذا المستوى في قلب "نظرية الدولة" الحديثة. وهي "النظرية" التي أخفق فيها المسلمون في الماضي نظرا لربطهم المستمر ل"الدولة" بالقيم الدينية والأوامر الأخلاقية، وهي أيضا ما يستعصي تحقيقه اليوم نتيجة لارتكاز الدولة على "الدين" في تدبير بعض شؤونها.

3-  لقد أصاب الباحث فعلا بتخصيصه تمهيدا ل"أصول فكرة العلمانية"، والرجوع بجذورها إلى بدايات القرن 12 م. ذلك أنّ هناك خطأ شائع يتصوّر الدولة الحديثة بتزامن مع الحركة الأنوارية. والواقع أنّ هناك اليوم دراسات عديدة (جاك لوغوف، جاك كرينن، ميشيل سينيلار...) تثبت جذور الدولة الحديثة في قلب العصور الوسطى مع نشأة المدن وتأسيس الجامعات، وإحياء التراث الأرسطي، ومحاولات مركزة السلطة السياسية بفضل الملكيات الأوتوقراطية، الخ.

4-  هناك بعض النّقط التي كانت تستدعي من المؤلّف أخذها بعين الاعتبار، خاصة وأنّها تزيل شيئا من الغموض الذي اكتنف الكتاب، وفي مقدّمتها ضرورة التّمييز بين الإسلام كعقيدة، والإسلام كوقائع تاريخية عينية، وهو التّمييز الذي يسمح لنا بتجاوز بعض المسلّمات الخاطئة، وعلى رأسها القول بأنّ الإسلام ، وعلى خلاف المسيحية، دين ودولة في آن واحد!والواقع أعقد من ذلك. فهما معا دين بلا دولة من حيث العقيدة، وهما معا دين ودولة من حيث الوقائع الاجتماعية والسياسية، كما يوضح ذلك جليا عبد الله العروي في كتابه " مفهوم الدولة".

 رغم تلك الملاحظات، لا نشكّ في كون الكتاب مناسبة إضافية لمناقشة سؤال لا يزال العالم العربي عاجزا أمامه. والواقع أنّنا نعيش مفارقة عجيبة في الجواب عن سؤال شائك ووهمي في نفس الآن. هو موضوع شائك نتيجة ذهنية تاريخية وتراكم ثقافي غذّى ولا يزال القول بأنّ الإسلام دين ودولة على خلاف كلّ ديانات المعمور!وهو موضوع وهمي كما هي وهمية عبارة "الدولة الدينية".


[1]مراد الزوين، الإسلام والحداثة : مقاربات في الدين والسياسة، الرباط : مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2016

 

 

أضف تعليق

Actualiser
+