ثقافة ودين

الرئيسية ثقافة ودين 
نادر الحمّامي

أستاذ مساعد بالمعهد العالي للغات بنابل، جامعة قرطاج. باحث في الفكر العربي الإسلامي وقضاياه التاريخية والراهنة، ومهتمّ أساسا بالمتخيّل الديني والتاريخي وكذلك بالدراسات القرآنيّة. سكرتير تحرير مجلّة ألباب، من آخر إصداراته:

صورة الصحابي في كتب الحديث، بيروت: منشورات مؤمنون بلا حدود، 2014.

 

"المصحف وقراءاته" سياقه المعرفي ورهاناته الفكريّة


 
 
يعد إصدار كتاب "المصحف وقراءاته" حدثا علميا نوعيا في مجال الدراسات القرآنية، وتتويجا مميزا لإنجازات المدرسة التونسية في حقل الدراسات الإسلامية، وقد طلبت "مقدمات" من الأستاذ نادر الحمامي، باعتباره أحد أعضاء الفريق الذي عمل لسنوات على إخراج هذا العمل، تقديمه وتعريف القراء بسياقه المعرفي ومنهجيته، والآفاق المعرفية التي يفتحها أمام أبحاث علمية مستقبلية في حقل دراسات المصحف وتاريخه وقراءاته.

والملاحظ أنّ تلك الدراسات القرآنيّة قد عرفت تراكمات متعدّدة وشهدت لحظات فارقة يمكن اعتبارها علامات بارزة على تطوّرها سواء ببناء بعضها على البعض الآخر أو كذلك باندراج بعضها الآخر في إطار الردّ والنقد والمراجعة. وكانت من نتائج تلك التراكمات المعرفية والعلمية أن ظهرت اتّجاهات في الدراسات القرآنية لعلّ من أهمّها ثلاثة اتّجاهات كبرى:

-       الاتّجاه الأوّل وهو الاتّجاه الكلاسيكي القديم الذي دشّن عصرا جديدا من تلك الدراسات بعد قرون من الكتابات الجدالية وهو الاتّجاه التاريخي والفيلولوجي الذي افتتحه أساسا إنجيل الدراسات القرآنية الكلاسيكية "تاريخ القرآن" لصاحبه تيودور نولدكه. وأهمّ ما يميّز هذا الاتّجاه الأوّل هو استناده إلى المصادر الإسلامية القديمة وتجميع المادّة منها وتبويبها ومحاولة الاستنتاج انطلاقا منها لتركيب ما يمكن اعتباره التشكل التاريخي للنصّ القرآني ومحيط نشأة الظاهرة القرآنية وتبلورها.

-       الاتّجاه الثاني تركّز اهتمامه أساسا على البحث في السياق التاريخي لظهور القرآن والمؤثّرات المحلية والخارجية في الأفكار والمفاهيم التي أتى به النصّ القرآني، وعلاقة النصّ بالأديان الأخرى وخاصّة باليهودية والمسيحيّة، ومصادر الدعوة المحمّديّة والمحيط الاجتماعي والثقافي والبنى الذهنية التي أحاطت بتشكّل النصّ، وهل تمّت القطيعة مع الفترة السابقة للإسلام، وهل الدعوة الإسلامية استمرار لما سبقها أم انقلاب تامّ عليها م هي تعديل لبعض الجوانب فيها.

-       الاتّجاه الثالث الكبير هو ما تمثّله المقاربات الأدبية والأسلوبية والجماليّة وهي التي تستند إلى نظريات نشأت في محضن النظريات الأدبية أساسا من قبيل نظريات التلقي والتقبّل بالخصوص لتنظر من خلالها في النصّ القرآني باعتباره نصّا يمكن قراءاته في ضوء العديد من نظريات الأدب.

إنّ الوعي بمثل هذه التيارات والاتّجاهات الفكرية والمنهجية وغيرها في مجال الدراسات القرآنية المقاربة للقرآن والوحي والمصحف مهمّ جدّا في تقديرينا حين نحاول تنزيل "المصحف وقراءاته" ضمن سياق معرفيّ مخصوص، إذ السؤال القائم هنا: إلى أيّ اتّجاه في الدراسات القرآنية ينتمي هذا العمل الجماعي؟ هل هو ينتمي إلى الاتّجاه التاريخي الفيلولوجي أم هو مساعد في تبين السياق التاريخي لنشأة النص وتطوّره؟ أم هو أقرب إلى المقاربات الأدبية والأسلوبيّة والجماليّة؟

في الواقع لا يمكن تنزيل "المصحف وقراءاته" بدقة في أحد هذه التيارات المعرفية والمنهجية التي أشرنا إليها بسرعة، وذلك لأسباب كثيرة من أهمّها أنّ التيارات المشار إليها هي تيارات فكرية استشراقية النشأة، وهذا لا ينفي مطلقا ضرورة الإفادة منها، ولكن نقول ذلك تمييزا للعمل الذي نقدّمه، أي "المصحف وقراءاته"، من جهة منهجه وغاياته واهتماماته. وتلك التيّارات أيضا على الرغم ممّا يظهر من تقاطعات بينها، شهدت أيضا جدلا فيما بينها، ولذلك فإنّه من المتأكّد الإلحاح على أنّ "المصحف وقراءاته" لا يندرج في إطار الاتّباع والانتصار لمنهج دون آخر، ولا هو منخرط في إطار الردّ والنقد المتبادل بين أعمال الباحثين المستشرقين وأتباعهم، رغم الوعي بأهميّة ما قدّموه، وإنّما هو نتاج مشاغل فكريّة اهتمّ بها الباحثون في الجامعة التونسيّة تدور في فلك دراسة الفكر الإسلامي والحضارة العربيّة والإسلامية، ومن هنا بعض خصوصيّة "المصحف وقراءاته" القائم على منهج مضبوط يرتّب مادّة ضخمة ومشتّته في مصنّفات المسلمين القدامى بالخصوص بغاية تمكين الباحثين في الدراسات القرآنيّة من آليّة في البحث قد يستحيل على الباحث الفرد تحصيلها.

يتأكّد هذا الأمر عند المقارنة بين "المصحف وقراءته" وأعمال سابقة تقترب إن كثيرا أو قليلا منه، ذلك أن البحوث السابقة الجامعة لمواد تتعلق بالمصحف إمّا  اقتصرت على علم واحد من علوم القرآن كالقراءات أو الناسخ والمنسوخ أو أسباب النزول، أو إنّها اعتمدت مصنّفات مخصوصة في أحد تلك العلوم هذا إذا لم يكن الاعتماد على مصدر واحد، ونحيب أن المصحف وقراءته قد تجاوز ذلك إلى اعتماد منهج جماعي في العمل حرص على استخراج كلّ المعطيات الخاصّة بالقراءات والمثبتة بالمصنّفات القديمة أساسا، والمصاحف الّتي توفّرت لدينا، بالإضافة إلى عمل آرثر جيفري الكلاسيكي الجامع للقراءات المنسوبة إلى مصاحف عدد من الصحابة والتابعين وكذلك بعض المصاحف غير المنسوبة.

بالإضافة إلى ذلك تمّ استخراج أخبار أسباب النزول ومسألة النسخ، وكذلك التكرار، سواء تعلـّق بآيات برمّتها أو بأجزاء منها، بالإضافة إلى إثبات جملة من تقسيمات المصاحف إلى أحزاب وأنصاف وأرباع وأثمان. كما تمّ الحرص على إيراد جملة من الملاحظات كلّما رأينا فيها ما يفيد في تبيّن تشكّل المصحف أو ما يمسّ أحد العلوم القرآنيّة الّتي تطرّقنا إليها. ووفقا لهذا التصوّر العامّ جاء العمل خاضعا لبنية مخصوصة في ترتيب المادة وتبويبها قامت على تخصيص مقدّمة عامّة لكلّ سورة جُمع فيها ما تعلّق بمختلف أسمائها إذا تعدّدت، والمكّي والمدني، وعدد آياتها، وترتيبها حسب النزول في المصادر القديمة وفي عدد من الدراسات الحديثة.

وحرص فريق العمل أيضا على إثبات كلّ آيات المصحف، سواء تمّ الوقوف في شأنها في المصادر على اختلافات في القراءات أو أسباب النزول أو النسخ أو غير ذلك، أو لم يتمّ الوقوف على اختلافات. وقد تمّ إثبات كلّ آيات المصحف بطريقتين: الأولى هي خطّ المصحف برواية حفص عن عاصم، والثاني بالرسم الإملائي المتداول اليوم. وقد كان ذلك لسببين رئيسيّين، الأوّل اعتناء القدامى بمسألة رسم المصاحف ونقطها إلى غير ذلك، واعتبارهم رسم المصحف في كثير من الحالات عمدة في الحكم على القراءة بتصويبها أو رفضها. والسبب الثاني اعتبار بعض الدارسين المحدثين بالخصوص أنّ اختلاف رسم المصاحف وخلوّها من النقط سبب رئيسيّ في اختلاف القراءات.

ومن الناحية المنهجيّة تمّ الالتزام بترتيب المادّة الّتي جُمعت ترتيبا تاريخيّا وفق وفاة المصنّف الّذي أخذت عنه القراءة أو سبب النزول أو غيرهما، مع تقديم عمل جيفري لأنّه العمل الكلاسيكي في مجال القراءات ولتعلـّقه خاصّة بالمصاحف القديمة. وقد خوّل لنا هذا المنهج في الترتيب تجنّب تكرار المعطيات من ناحية، وسمح من ناحية ثانية بالوقوف على زمن نشوء قراءات ما أو أسباب نزول أو تطوّر نظرة معيّنة إلى النسخ.

ومن مزايا الترتيب التاريخي للمادّة تمكين الباحثين من الوقوف على ترابط العلوم الإسلاميّة وتطوّرها فالقراءات على سبيل المثال مرتبطة بالفقه وعلم الكلام والتفسير. ثمّ إنّ ذلك الترتيب قد يسمح بتتبّع تطوّر القراءات وظهور أخرى في فترات معيّنة، وبالتالي ظهور طبقات من القرّاء متأخّرة نسبيّا، ويمكن أيضا تتبّع تطوّر الآراء المتعلّقة بالنسخ أو أسباب النزول، ممّا يحيل على إعادة النظر في الآراء الفقهيّة أو حتّى تمثّلات التاريخ الإسلامي وخاصّة فيما يتعلّق بالسيرة النبويّة ومجتمع التلقّي.

تحيل هذه الملاحظة الأخيرة على ما يمكن اعتباره آفاق المصحف وقراءاته المعرفيّة والعلمية، إذ يمكن اعتبار هذا العمل فاتحة أعمال بالنسبة إلى الباحثين الذين يرومون النظر في التقاطعات الممكنة بين مختلف العلوم القرآنية والتي لا يمكن النظر فيها بصورة منفصلة كما لا يمكن للباحث الفرد أن يجمع شتات مادتها بمفرده، وبالتالي يصبح المصحف وقراءاته أداة عمل لا محيد عنها ولا يمكن تجاوزها.

ومن آفاق هذا العمل أيضا أنه يسمح بالتكامل مع أعمال أخرى اشتغلت على الرقوق والمخطوطات ممّا يمكن من إنجاز أعمال تجمع بينه وهو القائم على أدبيات التفسير وعلوم القرآن ومشاريع أخرى انطلقت من المخطوطات والرقوق. ونحسب أنّ التفكير في مثل هذه المشاريع انطلق بعد ونقدّر أنّ المضي فيه سيكون مثمرا إلى أبعد حدّ.

ومن آفاق هذا العمل أيضا أن يعاد النظر في المصحف لاحقا لا على أساس ترتيب آيات المصحف وإنّما على أساس المواضيع والإشكاليات التي يطرحها المصحف وآياته وما ارتبط بها من قراءات وأسباب نزول ونسخ وتكرار وغير ذلك من قضايا جديرة بالمراجعة والبحث العلمي الدقيق.

ونظرا إلى كلّ هذه الاعتبارات يمكن اعتبار "المصحف وقراءاته" دون كبير غرور ودون تواضع زائف أيضا، حدثا علميا في المجال العربي والإسلامي تجشّم المشاركون في إنجازه عناء سنوات طويلة من العمل تجاوزت الخمس عشرة سنة بين جمع وترتيب وتدقيق وتثبّت وإخراج.  فاستحقوا الذكر: الأساتذة والزملاء: عبد المجيد الشرفي، المشرف على العمل، الفقيد عبد القادر المهيري، ومنصف بن عبد الجليل، نائلة السليني، عبد الباسط قمّودي، والمنجي الأسود، وكاتب هذه السطور نادر الحمّامي، مع إسهام لكلّ من محمّد صلاح الدين الشريف وبسّام الجمل وهالة الورتاني ومحسن التليلي في بعض مراحله.

(1)صدر العمل عن منشورات مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2016، في 5 أجزاء، المجلد الأوّل خاص بالمقدّمة وهي في 199 صفحة، والمجلد الثاني شمل الجزء الأوّل من متن العمل في 570 صفحة، والمجلّد الثالث في 538 صفحة، والمجلد الرابع في 531 صفحة، والمجلّد الخامس في 488 صفحة.

أضف تعليق

Actualiser
+